كيف يعامل الله إنساناً بَعُدَ عنه؟

بسم الله الرحمن الرحيم

كيف يعامل الله إنساناً بَعُدَ عنه؟

أيها الإخوة، الآن الإله العظيم، الرب الرحيم، المربي الكريم كيف يعامل عبداً شرد عن منهج الله؟
الحقيقة من خلال الكتاب والسنة هناك إجراءات في حق هذا الشارد.

أولاً: الدعوة البيانية:

أول إجراء بحقه الدعوة البيانية، وأنت صحيح معافىً، في بيتك، بين أهلك، بين أولادك، في عملك ما مِن مشكلة، ولا ضغط، هناك من ينصحك، هناك من يبين لك، إما من خلال خطبة، أو من خلال درس، أو من خلال كتاب، أو من خلال شريط، أو من خلال نصيحة، أو من خلال محاضرة، أو من خلال ندوة، هذه هي الدعوة البيانية، الهدى البياني كلام، وأرقى علاج إلهي، وأرقى إجراء إلهي لهذا الذي شرد عن منهج الله الدعوة البيانية، وأكمل موقف يقفه الإنسان من خلال هذا البيان الذي ساقه الله إليك أن تستجيب.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ)

[سورة الأنفال الآية: 24]

دعوة إلى الهدى، نصيحة إلهية.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا)

[سورة التحريم الآية: 8]

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ)

[سورة الحديد الآية: 16]

إلى متى أنت باللذات مشغول***وأنت عن كل ما قدمت مسؤول

أسعد إنسان ممن شرد عن الله عز وجل حينما يأتيه الهدى البياني، النصح الرباني، القرآن الكريم، البيان الإلهي، الحديث النبوي، خطبة، محاضرة، درس، نصيحة، مناظرة، ندوة، يصحو، يقول: يا رب عدت إليك، هذا أكمل شيء، وأنت صحيح، وفي بيتك، وأولادك أمامك، وأهلك معك، وفي عملك، كرامتك موفورة، صحتك موفورة ، جاءت نصيحة ربانية من خلال قرآن، أو سنة، أو عالم، أو داعية، أو ندوة، أو خطبة…إلخ.
فإن لم يستجب الإنسان لهذه الدعوة، وبقي مقيماً على معصية، مؤثراً شهوته أصم أذنيه عن نداء الله عز وجل، لم يرعه، لم يستجب، وغلبته شهوته.

(رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا)

[سورة المؤمنين الآية: 106]

ما الذي يحصل؟
أول مرحلة لطيفة، ناعمة، سلمية، دعوة بيانية، نصيحة، وتخلّق بهذا الخلق، قبل أن تعاقب، قبل أن تضرب، قبل أن تقطع، قبل أن تصب جام غضبك، انصح، بيّن، وضح.

ثانياً: التأديب التربوي:

إن لم يستجب الإنسان للدعوة البيانية فهناك تأديب تربوي، هنا دخلنا في مرحلة أصعب.
أحياناً يقول الطبيب للمريض: معك قرحة في المعدة، أو معك التهاب حاد في المعدة، هناك طريقان ؛ إما أن تتبع حمية قاسية جداً لا تحتاج معها إلى عمل جراحي، حمية قاسية جداً شهرا بكامله، على الحليب فقط، هذا الالتهاب يزول، وإن آثرت أن تأكل ما تشتهي فلا بد من عمل جراحي، القضية بيدك.
لذلك الآية الكريمة:

(لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)

[سورة البقرة]

(لِلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ)

من أمراض،

(أَوْ تُخْفُوهُ)

الله عز وجل رب رحيم،

(يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ)

إن ذكرت أو لم تذكر، إن اعترفت أو لم تعترف، إن أخفيت أو أظهرت.

(وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ)

اختر أيها المؤمن،

(فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء)

بالتوبة والاستقامة والاستجابة،

(وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء)

إذاً: أول مرحلة الهدى البياني، الدعوة البيانية، إن لم تستجب تخضع لمعالجة أشد، ألا وهي التأديب التربوي، اعتقد يقيناً أن الله يحبك، وأن الله لن يدعك تفعل ما تشاء، من دون أن يربيك، اعلم علم اليقين إما أن تأتيه طائعاً، أو أن تأتيه مضطراً.
مرة أراد رجلٌ أن يسألني سؤالاً عن جوهر الدعوة إلى الله التي أمارسها، فأجبته إجابة فيها دعابة، قلت له: ملخص الدعوة بالتعبير الدارج طبعاً:

إمّا أن تأتيه ركضا، أو يأتي بك ركضا، إما أن تأتيه طائعاً بمبادرة منك، بصلح معه بتوبة، بإنابة، بندم، أو الله عز وجل متكفل أن يأتي بك إليه مضطراً

قال لي أحدهم: كان في موسم كبير جداً جاءته أرباح طائلة، القصة في السبعينات ، قال لي: أردت أن أذهب إلى بلاد بعيدة من دون زوجتي، حتى أنفق مبالغ فلكية على الملذات والشهوات، هكذا خطط، وصل إلى هناك شعر بآلام في ظهره، دخل إلى المستشفى، التشخيص ورم في النخاع الشوكي، قطع رحلته، وعاد إلى بلده، من مسجد إلى مسجد، ومن طبيب إلى طبيب، وقد شفاه الله عز وجل.
الله عز وجل حكيم، كل واحد فيه نقطة ضعف، وأحيانا إنسان غني كبير المال ما له قيمة عنده، لكن كرامته لها قيمة كبيرة، كل واحد يعالجه الله عز وجل معالجة يأتي به إليه، لأنه يحبنا، لأنه خلقنا ليسعدنا، لأنه خلقنا ليرحمنا، لأنه خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض.
والله أيها الإخوة، يوم القيامة حينما تكشف الحقائق يجب على الإنسان المؤمن أن يذوب محبة لله عز وجل على ما ساقه له من شدائد، فربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء.
كنت أقول لكم دائماً: الماس أصله فحم، لكن هذا الفحم جاءته ضغوط، وحرارة قلبته إلى ألماس، وهناك ماسة في استنبول ثمنها 150 مليون دولار، لكن قطعة فحم بحجمها ما ثمنها؟ خمسة قروش، الفرق بينهما أن الفحم حينما تأتيه الضغوط يصبح ألماساً.
لن تدخل الجنة إلا إذا كنت طاهراً، والتطهير في الدنيا معالجات إلهية حكيمة، لذلك ارضَ عن الله.

إنسان يطوف حول الكعبة قال: يا رب هل أنت راضٍ عني؟ وكان وراءه الإمام الشافعي، قال له: يا هذا هل أنت راض عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: سبحان الله ! من أنت؟ قال له: أنا محمد بن إدريس، قال له: كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ! قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله

قالوا:

الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين

وبطولتك إذا ساق الله لك مصيبة ـ لا سمح الله ولا قدر ـ أن تقول: الحمد لله رب العالمين، لأن الله عز وجل أفعاله كلها رحيمة، وكلها حكيمة، وكلها عادلة، فإمّا أن تستجيب لله إذا دعاك إليه، وإلا تخضع للتأديب التربوي، فيسوق من الشدة ما يحملك على طاعة الله،
وهذا معنى قوله تعالى:

(ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ)

[سورة التوبة الآية: 118]

يعني تابوا فقبِل الله توبتهم.
الآية الأخرى:

(تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ)

في بعض معاني هذه الآية: أنه ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة.
البطولة أن تأتيه قبل أن تأتي الشدائد، أن تصلي قبل المصيبة، أن تتجه إليه وأنت صحيح شحيح، أن تتجه إليه وأنت قوي، أن تتجه إليه وأنت غني، أن تتجه إليه ولا تشكو شيئاً.
التأديب التربوي أهم شيء فيه التوبة إلى الله، فقد دعاك دعوة بيانية ينبغي أن تستجيب، الآن أخضعك للتأديب التربوي ينبغي أن تتوب، فإن جاء التأديب التربوي ولم تتب فهناك حل ثالث.

ثالثاً: الإكرام الاستدراجي:

الحل الثالث عدد الناجين فيه قليل، يخضعك إلى ما يسمى بالإكرام الاستدراجي، يعطيك الدنيا، بمالها، بمكانتها بمباهجها، بشهواتها، لعلك تستحي، لعلك تتوب، لعلك تشكر، الموقف الكامل فيه الشكر، الشكر ثم التوبة.

رابعاً: لقصم والإهلاك:

فإن بيّن لك ولم تستجب، وأدبك ولم تتوب، وأكرمك ولم تشكر، نعوذ بالله من المرحلة الرابعة، يأتي القصم.

(فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ)

[سورة الأنعام]

أيها الإخوة، هذه مراحل.
أول مرحلة: الهدى البياني، الموقف الكامل منها أن تستجيب لله لأنه دعاك إلى ما يحييك.
المرحلة الثانية: التأديب التربوي، الموقف الكامل أن تتوب.
المرحلة الثالثة: الإكرام الاستدراجي الموقف الكامل أن تشكر.
المحلة الرابعة: يأتي القصم.

إياك أن تصل مع الله إلى طريقٍ مسدود:

إن أخطر شيء في حياة الإنسان أن يصل مع الله إلى طريق مسدود، كيف؟
ثمة إنسان ارتكب جريمة قتل ـ لا سمح الله ولا قدر ـ سيق إلى السجن، خضع إلى محكمة الجنايات، حكم عليه بالإعدام، نقل الحكم إلى التمييز، إلى محكمة النقض، محكمة النقض صدقت حكم محكمة الجنايات، رفع الحكم إلى رئاسة الجمهورية ليصدق عليه، وصدق عليه رئيس الجمهورية، وحُدد يوم معين لتنفيذ الإعدام، هذا الإنسان قبل أن يُعدم يحب أن يضحك فليضحك، لا بد من أن يعدم، يحب أن يبكي فليبكِ، يحب أن يتوسل فليتوسل، لا بد من تنفيذ هذا الحكم، نقول: هذا الإنسان مشى في طريق مسدود.
أنا أقول أنصح نفسي، وأنصح من حولي، إياك ثم إياك ثم إياك أن تمشي في طريق مسدود، أن تبالغ في إيقاع الأذى بالناس، عندئذٍ يأتي القصم، يأتي الانتقام، فدَع للصلح مكاناً، حاسب نفسك قبل أن تحاسب، اسأل نفسك: هل عملي يرضي الله؟ هل هناك ظلم أقترفه؟ هل أبني مجدي على أقاض الآخرين؟ هل أبني حياتي على موتهم؟ هل أبني عزي على ذلهم؟ هل أبني غناي على فقرهم، ماذا أفعل؟ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم.

التعلّم بالنص سبيل الإنسان الذكي، والتعلم بالواقع من سبل الأقل ذكاءً:

فسنة الله مع خلقه تبدأ من الدعوة البيانية، إلى التأديب التربوي، إلى الإكرام الاستدراجي، إلى القصم، فالبطولة أن تبقى في أول مرحلة، تستمع، وتستجيب، وهذا أكمل شيء في الإنسان، والإنسان كلما ارتفع مكانه تعلم بالنص، ولم يتعلم بالواقع.
إذا قرأ الإنسان موضوعا دقيقا عن أخطار التدخين، وترك الدخان لهذا الموضوع، أو لحكم شرعي، هذا يكون في أعلى مستوى، أما حينما يدع التدخين بعد الورم الخبيث يكون قد تعامل لا بعقله بل تعامل بأحاسيسه.
أوضح مثل: إنسان ركب مركبته ليسافر إلى مدينة أُخرى، في أيام الشتاء، خرج من مدينته فرأى لوحة كتب عليها: الطريق إلى المدينة التي ينوي السفر إليها مغلقة بسبب تراكم الثلوج في مكان ما مثلاً في منتصف الطريق، وهو مقصده تلك المدينة، وله مبلغ كبير جداً هناك، الطريق مغلق، هو الآن قد خرج من مدينته، ماذا يفعل؟ يعود، ما الذي حكَمه؟ اللوحة، أربع كلمات أعطته قرارًا بالعودة، لو أن دابة تمشي أين تقف؟ عند الثلج، ما الذي حكم الدابة؟ الواقع، حكم العاقل النص، وحكم غير العاقل الواقع.
اسأل نفسك سؤالا محرجا، ما الذي يحكمك؟ نصوص القرآن والسنة، أم الواقع؟ الذي يخاف بعقله إنسان راقٍ جداً، والذي يخاف بأحاسيسه إنسان غبي جداً، فكلما ارتقى مقامك تخاف بعقلك، تخاف من النص، تخاف من تحذير الله لك، تخاف من وعيد الله، وكلما هبط مستوى الإنسان، وجاءه قضاء الله، جاءته المصيبة عندئذٍ يقول:

(يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ * وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ)

[سورة الفجر]

خيار الإنسان مع الإيمان مسألة وقت فقط:

إخواننا الكرام، هناك نقطة مهمة جداً، خيارك مع الإيمان خيار وقت، مع مليون موضوع أنت مخير خيار قبول أو رفض، عرضوا عليك بيتاً لم يعجبك، فرفضته، أنت مع مليون موضوع، معك خيار قبول أو رفض، إلا مع الإيمان فخيارك خيار وقت، الدليل فرعون أكفر كفار الأرض، الذي قال:

(أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى)

[سورة النازعات]

والذي قال:

(مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي)

[سورة القصص الآية: 38]

هذا الإنسان الذي ادعى الإلوهية حينما أدركه الغرق قال:

(آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ)

[سورة يونس الآية: 90]

إذاً: آمن، لأن الإنسان أيّ إنسان لا بد من أن يؤمن عند الموت.

(فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)

[سورة ق الآية:22]

هذا الإيمان لا قيمة له إطلاقاً، إذاً: خيارك مع الإيمان خيار وقت لا خيار قبول أو رفض.
أيها الإخوة، هذا الدرس حول أن الإنسان إذا تحرك في الحياة الدنيا بدافع من شهواته، ومن دون منهج إلهي ما الذي يحصل؟ الله عز وجل يربيه، وتربية الله له لطيفة جداً، وفيها مراحل أربع:
أول مرحلة: الهدى البياني، الموقف الكامل الاستجابة.
المرحلة الثانية: التأديب التربوي، الموقف الكامل التوبة.
المرحلة الثالثة: الإكرام الاستدراجي الموقف الكامل الشكر.
المرحلة الرابعة: حينما لا ينفع معه البيان، ولا التأديب، ولا الإكرام القصم عندئذٍ يقصمه الله عز وجل.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: العقيدة – العقيدة والإعجاز – الدرس (18-36) مقومات التكليف : الشهوة -4- تفسيرات المصائب – البقرة مصنع كامل وصامت
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-01-04 | المصدر

مترجم إلى: اللغة الإنجليزية

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس