Search

الإنصاف ميزان التعامل في الإسلام

الإنصاف ميزان التعامل في الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

الإنصاف ميزان التعامل في الإسلام

الحقيقة أن الإنسان له خصائص، فحينما يقبل من الآخر ما يفعله هو، أو حينما يقيس نفسه بمقياس عام لا يتعدد ولا يتبدل، إذاً لا يوجد به ازدواجية، أنت حينما ترى أن لأخيك ما لك، وأن عليك ما على أخيك أنت إنسان أخلاقي، بتعبير آخر : أنت إنسان إنساني حينما ترى أن لأخيك ما لك وأن عليك ما على أخيك، أما أن تقول : هذا لي وليس لغيري وعلى غيري ما ليس عليّ فأنت عنصري فمبدئياً يمكن أن نقسم بني البشر في القارات الخمس من آدم إلى يوم القيامة وفق هذا المقياس، فحينما يتصور الإنسان أن له ما ليس لغيره، وأن على غيره ما ليس عليه فهو عنصري، مثلاً لو أن إنساناً أمضى سهرة بأكملها في السخرية من أم زوجته، وهي صامتة، وفي اليوم التالي تكلمت كلمة عن أمه فلم يقبل فهذا الزوج عنصري، لم يقبل كلمة عن أمه وأمضى سهرة بأكملها عن أم زوجته هذا عنصري، ولأن دولة واحدة من خمس دول إذا قالت : لا، ألغي القرار الإنساني في مجلس الأمن، ألغي القرار كلياً لاعتراض دولة واحدة، فهذا أيضاً موقف عنصري ولي رأي شخصي أنه ما دامت العنصرية قائمة في حياة الناس فالحروب لن تقف، ما دام هناك عنصرية، هناك إنسان يستأثر بكل شيء، إنسان يملك مليون، ومليون لا يملكون واحداً، العنف لن يقف، والعنف لا يمكن إلا أن يرد بعنف مثله.

الله تعالى يقول : ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. ما دام هناك مقياس واحد نقيس به أنفسنا وغيرنا معاً، ما دام هناك واجبات على غيرنا وعلينا أيضاً، ما دامت هناك حقوق لنا ولغيرنا، ما دام هناك تداخل بين ما لنا وبين ما علينا، وبين ما على الآخرين وبين ما لهم، ما دام هناك تداخل فنحن في بحبوحة ونحن في طريق صحيح ونحن مع القيم الإنسانية، أما حينما يتوهم الإنسان أن له حقاً ليس لغيره، وحينما يتوهم أن على غيره ما ليس عليه، دخلنا بالعنصرية، وأنا أقول كلمة : ما دام هناك عنصرية في الأرض النزاعات لن تقف بل والحروب لن تقف .

النبي صلى الله عليه وسلم من خلال اتفاق بينه وبين قريش أرسل عبد الله بن رواحة لتقييم تمر خيبر، فقال لليهود : " جئتكم من عند أحبّ الخلق إلي، ولأنتم أبغض الناس إليّ، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقالت اليهود : بهذا قامت السموات والأرض، وبهذا غلبتمونا ". 

لذلك الآية تقول : ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُم ...﴾  أي لا يحملنكم ، ﴿...شَنَآَنُ قَوْم... ﴾ أي بغض قوم، ﴿...عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى...﴾. أن هذا الطرف الآخر إذا كنت عادلاً معه قربته من الله، وقربته إليك، فلذلك هذا الدين ما دامت أهدافه نبيلة، فلا تصلح للأهداف النبيلة إلا الوسائل النبيلة، والوسيلة من جنس الهدف.

كثيراً من الناس يعرفون منك أشياء كثيرة محمودة وجيدة، فإذا أخطأت خطأً بحقهم أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لحاطب : إنه شهد بدراً، كيف نوجه هؤلاء إلى وجوب الإنصاف في الغضب وفي الرضا؟

مصطلح الموضوعية أن تعطي الشيء حجمه الحقيقي، دون مبالغة ودون نقصان، الموضوعية هي قيمة أخلاقية، والموضوعية قيمة علمية، فإذا كنت موضوعياً فأنت أخلاقي، وإذا كنت موضوعياً فأنت عالم، وما لم نعتمد الموضوعية في حياتنا فنحن بعيدون بعد الأرض عن السماء عن التطور والنهوض .

الإنصاف يكون في كل مكان بدءاً من البيت، كيف يكون الرجل منصفاً في بيته مع أولاده؟ 

لو فرضنا هذا الزوج أخطأ، والإنسان ليس معصوماً، فإذا لم يجرؤ أحد أن يواجهه بخطئه، وأصر على أنه على صواب، هذا زوج غير موضوعي، لذلك ما دام هناك بعد عن الموضوعية تتراكم الآلام وإذا تراكمت انفجرت في وقت ما أما حينما يكون الزوج موضوعياً فإذا خاطب زوجته وذكرته بخطأ ارتكبه وقال: معك حق وإن شاء الله هذا لن يعاد، فهذا موقف أخلاقي، موقف فيه تواضع، فلذلك ممكن أن تنتهي أكبر مشكلة ضمن البيت بالموضوعية، إذا أنت فعلاً أخطأت فقلت: أنا أخطأت، تنعدم المشاكل، أما هذا الإصرار على الخطأ، وعدم السماح بالمعارضة، أنا أقول رأيي الشخصي : الذي يسمح للمعارضة أن تنال منه هو الذكي والعاقل، والذي يكتم أفواه المعارضة في أي مستوى، من أقل مستوى في بيت وأعلى مستوى في البلاد الذي يلغي المعارضة يلغى هو قبلها، والذي يقبلها يرقى .

والإنصاف في البيت مع الأولاد، هل هناك إنصاف مع الأولاد؟ 

هذا الأصل، يا رسول الله ! اشهد أني نحلت ابني هذا شيئاً – حديقة- قال: ألك ولد آخر؟ قال : نعم، قال : هل نحلته مثل ما نحلت هذا ؟ قال : لا، قال : أشهد غيري فإني لا أشهد على جور. أنا أرى أن الإنسان يحاسب في معاملته لأولاده حتى على مستوى القبلة، تقبّل أحدهم وتهمل الآخر كنت ظالماً، فما لم نقم بالعدل أقول التام، المطلق صعب، المطلق يشمل ميل القلب، الله طالبنا بالعدل التام لا بالعدل المطلق، فما لم أعامل أولادي بالتساوي بالهدايا، بالمكافآت، بالألبسة، بكل شيء بالعدل التام هناك مشكلة كبيرة.

أنت بالإنصاف ملك، بالإنصاف القرار بيدك، بالإنصاف محمود، بالإنصاف محترم، بالإنصاف متألق، بالإنصاف عادل، بالإنصاف كلمتك نافذة، إذا انعدم الإنصاف هناك مشكلة، وقد تبدأ صغيرة وتتفاقم



source