في الإسلام: الزوجة أمانة، والأولاد أمانة، والعمل أمانة… والحياة أمانة
قصة طالما سمعناها منذ كنا صغاراً إنها قصة بائعة الحليب :
قالت بنيّـة قومـي فامـذقي اللبنا فالماء سوف يزيد الوزن والثمنا
قالت لها البنت : يا أمّاه معـذرةً لقـد نهى عـُمـر أن نخـلط اللّبـنا
قـالت لها أمّـها : أنّى يرى عـمر صنيعنا إنّـما الفـاروق ليـس هنا
قـالت لهـا ابنتها : لا تفعـلي أبـداً الـلّه يعـلم منّـا السـرَّ والعـلنا
إن لم يكن عمر الفاروق يبصرنا فـإنّ ربّ أبي حفـص هنـا معنـا
***
إنها الأمانة درة من درر الشريعة، وفي الحديث الشريف : "إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة"، وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ﴾. ما هذه الأمانة التي أشفقت من حملها السموات والأرض والجبال؟
الحقيقة أن هناك عالم الأزل وعالم الصورة، ففي عالم الأزل عرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال، والسموات والأرض مصطلح قرآني يعني الكون، والكون ما سوى الله، والكون أنفس، ففي عالم الأزل عرض الله الأمانة على السموات والأرض والجبال، أشفقن منها الخلائق على شكل أنفس، أشفقن منها وحملها الإنسان، أبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، فلما قبل الإنسان حمل الأمانة كان عند الله المخلوق الأول رتبة، فلما كان المخلوق الأول سخرت له السموات والأرض تسخير تعريف وتكريم، والتسخير بنص الآية الكريمة : ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾، موقف الإنسان من تسخير التعريف أن يؤمن، وموقفه من تسخير التكريم أن يشكر، فإذا آمن وشكر حقق الهدف من وجوده، فهذه الأمانة الحقيقة الدقيقة هي نفس الإنسان جعلها بإدارته، بإشرافه، ملكه إياها، لذلك قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾، فالإنسان قد يفلح في كسب المال، الإنسان قد ينجح في جمع المال، قد ينجح بتسلم منصب رفيع، هذه كلها نجاحات ولكن الفلاح شيء آخر، الفلاح حينما تحقق الهدف من مجيئك إلى الدنيا، فأنت فالح، طالب بجامعة قد ينجح باختيار أصدقائه، وينجح باحتلال مكان مطل على حديقة في القاعة، وقد ينجح وقد ينجح... إن لم يدرس وينال الليسانس لم يفلح، فالفلاح تحقيق الهدف، أما النجاح فجزئي والفلاح شمولي، فلذلك الإنسان متى يفلح؟ إذا عرف سرّ وجوده وغاية وجوده، إذا عرف أنه مخلوق للجنة وأن الله جاء به للدنيا ليدفع ثمن الجنة، لذلك قال تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. على وجه الأرض سبعة مليارات ومئتا مليون إنسان وكل إنسان يتحرك باتجاه، لكن الله جل جلاله أنزل السعي المتنوع الذي قد يصل إلى سبعة مليارات أنزله في خانتين اثنتين فقط قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى* وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، الصنف الأول من بني البشر أولاً صدق أنه مخلوق للجنة، لذلك بناء على هذا التصديق اتقى أن يعصي الله، بنى حياته على العطاء، ثلاث خصائص؛ الطرف الآخر كذب بالحسنى فلما كذب بالآخرة وآمن بالدنيا استغنى عن طاعة الله، بنى حياته على الأخذ.
تتمة الآية ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾. ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾. لم كان ظلوماً جهولاً؟ الآية تقرأ قراءتين، تقرأ قراءة استفهامية وقراءة تقريرية:
- فالذي حمل الأمانة في عالم الأزل وجاء إلى الدنيا فوفى بالأمانة نقول: إنه كان ظلوماً جهولاً استفهاماً، لا لم يكن ظلوماً ولا جهولاً، كان عبقرياً، وكان موفقاً، وكان مصيباً وسعيداً، وكان ناجحاً، وكان فالحاً.
- أما الذي أتى إلى الدنيا ونسي الأمانة وانساق وراء غرائزه وشهواته، فنقرأ الآية قراءة تقريرية، نقول: إنه كان ظلوماً جهولاً، لو أن أباً عنده عشرة أولاد قال : من يأتي بدكتوراه من أمريكا أكتب له نصف المعمل، فأحدهم قال: أنا لها، فذهب إلى هناك وبقية أخوته لهم دخل جيد جداً، ولهم بيت، وزواج، هذا الذي قال: أنا لها إن ذهب ولم يدرس حرم من كل شيء، و إن ذهب و درس فاز بكل شيء، فالإنسان عندما يحمل الأمانة ولا يؤديها يكون ظلوماً لنفسه جهولاً بعظمتها.
هذا مجمل الأمانة نريد أن ننتقل إلى تفصيلاتها : قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ والأمانات جاءت بالجمع، فما هي الأمانات؟
أولاً زوجتك أمانة، هل عرفتها بربها؟ هل أعنتها على طاعته؟ هل قومت مسيرها؟ هل نصحتها؟ هل أديت لها حقها؟ هل طالبتها بحقك بأسلوب مقبول؟ فالزوجة أمانة، والأولاد أمانة، هل عرفتهم بربهم؟ أما الهم كان فقط نجاحهم التحصيلي؟ ((كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ))، هو يطعمهم، يطعم أهله وأولاده، ويكسوهم، ويتابع مصالحهم في الدنيا، لكن غاب عنه إيمانهم، غاب عنه استقامتهم، غاب عنه تربيتهم، معلم الصف هؤلاء الطلاب أمانة في عنقه هل علمهم تعليماً صحيحاً؟ هل نبههم إلى القدرات الخاصة التي ينبغي أن يتمتعوا بها؟ هل تابع أخطاءهم وصححها؟ هل صحح أوراق المذاكرة؟ فهذا في أمانة، المريض أمانة عند الطبيب، هل نصححه بدواء له عمولة كبيرة من الشركة أم نصحه بدواء فعال أكثر ليس له عمولة؟ المهندس، لا يوجد حرفة إلا فيها أمانة، فأنت حينما تؤدي الأمانة تشعر براحة كبيرة جداً.
لذلك النقطة الدقيقة جداً هي توافق الشرع مع الفطرة، قال تعالى: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، أي أمر أمرت به أنت برمجت وولفت على محبته: ﴿ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾. فأنت كل شيء أمرت به حبب إليك، وكل شيء نهيت عنه بغض إليك، فلذلك الفطرة الإنسانية تتوافق توافقاً تاماً مع المنهج، فأنت حينما تستقيم على أمر الله، وتعود إلى الله عز وجل تحس براحة لا توصف، وكأنك اصطلحت مع فطرتك: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾، أن تقيم وجهك للدين حنيفاً هذا فطرت عليه، فطرة الله التي فطر الناس عليها، هذه الفطرة، إلا أن الفطرة تعني أن تحب الخير، أن تحب العدل، أن تحب الصدق، ولا تعني أن تكون صادقاً، نحن فطرنا على محبة المنهج، محبة الأمر، كراهية النهي، هذه فطرة أما حينما تكون صادقاً فهذه صبغة، قال تعالى : ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾، حينما تكون عادلاً هذه صبغة، محسناً هذه صبغة، فالدين بين الفطرة والصبغة.
القصة حقيقة مع البرهان عليها، واقعنا اليوم قصص عن الأمانة توضح كيف ترد الأمانات إلى أهلها؟
مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، أذكر أن إنساناً وجد بمركبته كيساً أسود، وهذا الكيس الأسود توضع به القمامة أحياناً وأحياناً الملايين، فهو سائق تكسي عمومي، كيس أسود بالمقعد الخلفي، فتحه كله أموال، مبلغ فلكي، هذا الإنسان بقي أربعة أيام يبحث عن صاحب هذا المبلغ، أخذ هذا الشخص من هذا المكان، أربعة أيام بجهد بليغ يبحث عن هذا الإنسان ثم عثر عليه، هذا الإنسان كان راقياً جداً اشترى له سيارة، رد له عشرين مليوناً، هذه الأمانة، لذلك ورد عن صلى الله عليه وسلم : (( الأمانة غنًى ))، إن كنت أميناً أنت تغتني، صرت موثوقاً.
منحت الثقة، هذه قصة، أذكر تماماً إنساناً تصور أنه يغفل أمواله عن أولاده، ومات بحادث، والذي وضع أمواله عنده استثماراً -الرقم فلكي - بحث عن أولاده و أعطاهم المبلغ بالتمام والكمال، هذا الدين، هذا موقف أخلاقي، هناك قصص كثيرة جداً، أنا أذكر أن في واشنطن سائق سيارة من أصل عربي مسلم وجد حقيبة فيها عشرة آلاف دولار، بلغ الشرطة، وأرجعها.
ففي الإسلام قيم رائعة جداً، هذه القيم الرائعة تغوص في أعمق المشاعر، ونحن إذا طبقنا هذا الدين قطفنا ثماره حاضراً وآجلاً. وهذه الأمانة أظن عند الغرب هم قد لا ينظرون إلى الإسلام من مراجعه لكن ينظرون إلى إنسان أمين يخاف الله عز وجل فيعجبون بدينه، هذه دعوة. والله الذي لا إله إلا هو لو أن أفراد الجاليات الإسلامية في العالم كله في أمريكا، في أوربا، في أستراليا، لو أن أفراد الجاليات طبقوا أحكام دينهم تماماً لكان موقف الغرب من الإسلام غير هذا الموقف، لأن الإنسان في بلده قد يخطئ يشار إليه فقط، إلى اسمه بالخطأ، أما الإنسان المقيم في الغرب فإذا أخطأ اتهموا دينه، لذلك الآية الدقيقة والخطيرة: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
