بحث

إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ

إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ

بسم الله الرحمن الرحيم

     قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:     

(إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)    

     هذا الحديث يتعين على كل مؤمن أن يستوعبه، لأنه ذو مساس وشيج بكل نشاط حياته، أنت في طريق الحياة، واجهت حركة، ما موقفك كونك مؤمنًا؟ هناك من ينهزمون، هناك من يهربون منها، هناك من يستسلمون لبأسها، هناك من يخضعون، وهناك من ينتحرون، ما موقف المؤمن إذا واجهته مشكلة؟   

     إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ما العجز؟ أن تستسلم للمشكلة، أن تخضع لها، أن تعطل فكرك، أن تعطل حركتك، أن ترضى بها، هذا موقف ليس إسلامياً، وليس صحيحاً، بل إن الله سبحانه وتعالى كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام يلوم على العجز، حينما تعجز، حينما تخضع للمشكلة، حينما تستسلم، حينما لا تعمل فكرك، حينما لا تأخذ بالأسباب، حينما ترضى أن تكون دون الآخرين، ليس هذا هو المسلم، و ليس هذا هو المؤمن، أين الله عز وجل؟ الأمر كله بيد الله، ما عليك إلا أن تدعوه، وما عليك إلا أن تأخذ بالأسباب، وما عليك إلا أن تسعى،فكر، هيئ خطة، اسأل فلانًا، خذ رأي فلان، إذا واجهتك مشكلة المؤمن هكذا يستسلم! حتى يقال عنه ضعيف، خوار، منسحب، متقوقع، انعزالي، منهزم؟ لا والله، حديث دقيق جداً،  إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، العجز أن ترى نفسك أقل من حل هذه المشكلة   قال الله تعالى:  وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ   تريد أمل،  لا يوجد أمل؟ لماذا لا يوجد أمل؟ تحرك، الفعل فعل الله، والقدر قدر الله، ادع الله عز وجل، وخذ بالأسباب، وابحث، لماذا هذا الاستسلام هذا الموقف موقف انهزامي، موقف ليس إسلامياً، موقف يلام عليه المؤمن. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر:  ...  وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ.  قصة لا أنساها، عن رجل في الخامسة والخمسين من عمره، يظهر أنه حضر خطبة في مسجد، وجد شاباً عالماً طليق اللسان، الناس تحلقوا حوله، تمنى أن يكون مثله، ولكنه أصبح في الخامسة والخمسين، فهذا الرجل اشتهى أن يكون في هذا المكان، وهو من الصعيد من ريف مصر، ركب دابته، واتجه نحو القاهرة، فلما وصل إلى أطرافها سأل: أين الأزعر؟ أي الأزهر، وهو مركز العلم المشهور، شاهده شخصاً صالحاً قال له: أخي هذا اسمه الأزهر الشريف، وليس الأزعر، دله عليه ... الرجل الذي بلغ الخامسة والخمسين من عمره تعلم في هذا السن القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم، وطلب العلم الشريف، وعاش إلى السنة السادسة والتسعين، وما مات إلا وهو شيخ الأزهر، واسمه زكريا الأنصاري.

     وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ الكيّس هو العاقل، والكيس هو العقل، ومعناه هنا التدبير، ولكن عليك بالكيس، فكر، دبر، خطط، استخدم عقلك، إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم أدبر فأدبر، قال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أحب إلي منك، بك أعطي، وبك آخذ، العقل مناط التكليف. عليك بالتعقل، عليك بالتدبير، عليك بالتفكير، أخي هذا الاستسلام الساذج، التوكل مكانه القلب، والسعي مكانه الجوارح، المسلمون في عصور تخلفهم عكسوا الآية، صار توكلهم في الجوارح، هو جالس مرتاح، لا يسعى.   قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا . قال الله تعالى مخاطباً السيدة مريم عندما حملت بسيدنا عيسى من دون رجل واعتزلت الناس وعندما أتاها المخاض وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً   النخل لا يهز، هذه إشارة من الله إلى أن هذا التمر الذي تساقط عليها جعل له سبباً، هزي، الله سبحانه وتعالى يرزق على أبسط الأسباب كلمة، على أن الإنسان لا يعجز، لا يتواكل . 

     فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ  أنت أمام مشكلة، هناك ثلاثة مواقف، الموقف الأول: أن تنهزم، الموقف الثاني: أن تسعى، الموقف الثاني يتولد عنه موقف ثالث: تسعى، فإما أن تنجح، وإما أن لا تنجح، إن نجحت فالله سبحانه وتعالى أراد لك هذا النجاح، وأعانك عليه، والصعاب ذللها، والقلوب لينها، والأفكار سهلها، فإذا لم تنجح فهذه هي الحكمة، وهذا هو الخير، وهذه هي النعمة الباطنة،   قال تعالى:  وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً   فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل.   هذا حديث دقيق جداً، يوجد توجيه حكيم، ويوجد منهج، ويوجد توحيد، يوجد عبودية لله عز وجل، وموقف كامل للمؤمن، عبودية لله، توحيد، راحة نفسية، شيء ما كان لك، ليس في الإمكان أبدع مما كان، لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:  وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ  هذا هو التوحيد، من يوحد يكون قد أنجى نفسه من آلاف الأمراض. قال تعالى:   فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ  عذاب الشرك، عذاب التمزق. 

     هذا الحديث إذا اتضح في أذهان الإخوان الكرام عليهم أن يذكروه كلما أقدموا على عمل، لا تعجز، إياك أن تستسلم، إياك أن تنهزم، إياك أن تخنع، عليك بالكيس، فكر، دبر، هيئ أمورك، نظم، اسعَ، فإذا غلبك أمر، سعيت، وما نجحت فهذا الخير. هنا نقطة مهمة جداً، حينما تستنفذ كل جهدك الذي يقع فهو الخير، أما إذا لم تستنفذ جهدك الذي يقع فقد يكون عقاباً، الابن مريض، حرارته أربعون، ما أخذناه إلى الطبيب، يعيننا الله، الله يسلم، هذا ليس كلامًا إسلاميًا، الله أمرك أن تسعى، تضاعف الأمر، التهاب سحايا، بعد هذا مات، هكذا الله كتب له، لا، هذا كلام مرفوض، أنت تأخذه إلى الطبيب، وتهتم أن يكون طبيباً جيداً مخلصاً ماهراً في علمه، تستعمل الدواء بشكل جيد، تدفع صدقة، وبعد ذلك تستسلم للذي يحدث، وهو الخير، أما قبل أن تستنفذ الجهد فالاستسلام مرفوض، وكل نتيجة تأتي بعد الاستسلام ليست قضاءً وقدراً كما يزعم بعض الناس، إنما هي جزاء التقصير والإهمال، لا تقل: الله أراد، إلا إذا استنفذت الأسباب، حينما تستنفذها فالله أراد، أما قبل أن تستنفذها فهذا عقاب، وهذا جزاء التقصير، هذا كله من قول النبي الكريم   فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ: حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. 



المصدر: أحاديث متفرقة - الدرس : 031 - أحاديث شريفة تبدأ بـ إن الله تعالى ....