حقُّ المريضِ في الإسلام: بين أدب العيادة وصناعة الأمل
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من عاد مريضاً نادى مناد من السماء: طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلاً )). موضوع القيم في التعامل مع المريض، إنسان أصيب بمرض نسأل الله العافية للجميع، كيف يتعامل المسلم معه ؟
بادئ ذي بدء يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خمس " هذا الواجب على المسلم والحق للمريض يمتن العلاقات الاجتماعية، والمريض حينما يأتيه أخوه يعوده ترتفع معنوياته، ويرى مكانته في مجتمعه، وهذا يوطد أيضاً العلاقات الاجتماعية، المريض بحاجة إلى مؤانسة، وإلى تطمين، ننفس له في الأجل، فلذلك من عاد مريضاً فكأنما يخوض في الرحمة خوضاً، الحديث القدسي: (( يا بن آدم مرضت ولم تعدني، قال: يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أن عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده..)) لكن لا تظهر قيمة هذا النص إلا بالفقرة الثانية: ((.. يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني، قال: يا رب كيف أطعمك وأنت رب العالمين ؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي)) الفرق كبير بين لوجدتني عنده، وبين لوجدت ذلك عندي، معنى ذلك المريض له عند الله معاملة خاصة، الذات العلية هي عند المريض، وكأن الطريق سالك إلى الله، وكأن المريض يفتح مع الله خطاً ساخناً، وكأن المريض قريب من الله عز وجل.
لعل من الحقوق أيضاً الدعاء له، النبي صلى الله عليه وسلم دعا: " اللهم اشف سعداً " قالها ثلاثاً، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم يدعو للمريض: " بسم الله اللهم رب الناس أذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك ". لا شفاء إلا شفاؤك لا تتناقض مع الذهاب إلى الطبيب ونسبة الشفاء إلى الله لا تعني أبداً أن يترك الإنسان زيارة الطبيب. الموقف الإسلامي الكامل التوحيدي أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، أنا أقول: الأخذ بالأسباب أحياناً يضعف التوكل، والتوكل غير الصحيح التواكل يضعف الأخذ بالأسباب، فالبطولة بالإنسان المؤمن أن يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم يتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، ليس سهلاً، مثلاً أتناول أدوية بدقة بالغة، أفضل دواء، بالمواعيد الدقيقة، وبعد ذلك أقول من أعماق أعماقي: يا رب أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، الجمع بين الحالتين يحتاج إلى مهارة كبيرة، الأخذ بالأسباب يضعف التوكل والتوكل الساذج يضعف الأخذ بالأسباب، فلا بد أن تجمع بينهما، أنا بعبارتي الدقيقة أن نأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء ثم نتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا الموقف الوسطي. يختار الطبيب الجيد، ويتناول الدواء الجيد بالمواعيد الدقيقة.
أيضاً هناك حديث آخر: (( ما أنْزَلَ الله من داء إلا أنزل له دواء )) له ملمحان دقيقان جداً ؛ أول ملمح تطمين الأطباء أن هذا المرض الذي أعياكم له دواء ابحثوا عنه، يعطي الطبيب باعثاً للبحث عن الدواء، أخبرك الخالق أن هذا المرض له دواء، هذه نقطة، والنقطة الثانية تطمئن المريض: لم يعد هناك يأس إطلاقاً، و الآن هناك أمراض وبيلة صار لها حل. فالبطولة أن نأخذ بيد المريض لا نتركه لليأس.
لو زار إنسان صحيح إنساناً مريضاً وعاده تنفيذاً لسنة النبي، الأصل ألا يطيل الجلوس، المريض بحاجة إلى إبرة، إلى جرعة ماء، إلى تناول حبة من حبوب الأدوية، إلى قضية يحتاجها، لكن أحياناً يكون المريض ملّ الفراش، وجاءه صديق يحبه كثيراً، والمريض مرتاح، فإذا ألح عليك المريض أن تبقى عنده اجلس عنده، هذه حالة نادرة، المريض مرتاح، لا يوجد مشكلة، وهو مشتاق لصديقه، و لا يوجد عنده أي عمل آخر، هو استأنس بك، هذه حالة نادرة، الأصل ألا نطيل الجلوس عند المريض.
