بحث

راعي الأمس ومقرئُ اليوم وقائدُ الغد: التحول في حياة عقبة بن عامر

راعي الأمس ومقرئُ اليوم وقائدُ الغد: التحول في حياة عقبة بن عامر

بسم الله الرحمن الرحيم

     هذا الصحابي الجليل يمثِّل نموذجاً إنسانياً فذًّا، أراد الحدَّ الأدنى في سلّم الإيمان، ثم عدل عنه إلى الحدَّ الأقصى، سيدنا عقبة بن عامر الجُهني، صحابيٌ جليل، له غنيمات، يحرص عليها حرصاً بالغاً، كان يرعاها خارج المدينة، ثم خطر في باله، أن يلتحق برسول الله صلى الله عليه وسلَّم, فالنبي عليه الصلاة والسلام، يبلغ مشارف المدينة، في الهجرة، وها هم أولاء أهل المدينة الطيبة يتزاحمون على الدروب، وفوق السطوح، مهلِّلين مكبِّرين فرحاً بلقاء النبي صلى الله عليه وسلَّم، نبي الرحمة، وصاحبُه الصدِّيقُ، وها هن الفتيات الصغيرات، ينشدن: طلَعَ الْبَدرُ عَلَيـنَا منْ ثَنِياتِ الوَداع. وهذا موكب النبي الكريم، يتهادى بين الصفوف، تحفُّه المهج المشتاقة، وتحيطه الأفئدة التوَّاقة، وتنثر حواليه دموع الفرح، وبسمات السرور.   لكن عقبة بن عامر الجهني لم يشهد موكب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولم يسعد باستقبالِهِ مع المستقبلين، ذلك أنه كان قد خرج إلى البوادي بغنيماتٍ له ليرعاها هناك، بعد أن اشتد عليها السغب، وخاف عليها الهلاك، وهي كل ما يملك من حطام الدنيا. لكنَّ الفرحة التي غمرت المدينة المنورة، ما لبثت أن عمَّت بواديها القريبة والبعيدة، وأشرقت في كل بقعةٍ من بقاعها الطيبة، وبلغت تباشيرها عقبة بن عامر الجهني، وهو مع غنيماته بعيداً في الفلوات، أخبار مجيء النبي وصلت إلى البوادي، كما أنّ أخبار استقباله وصلت إلى البوادي والحواضر. فلنترك الكلام لعقبة بن عامر ليروي لنا قصته مع رسول الله صلى الله علية وسلَّم، قال عقبة: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم المدينة، وأنا في غنيمات لي أرعاها فما إن تناهى إليَّ خبر قدومه صلّى الله عليه وسلّم، حتى تركتُها، ومضيت إليه، لا ألوي على شيء، فلّما لقيته قلّت:  يا رسول الله, تبايعني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فمن أنت؟ قلتُ: أنا عقبة بن عامر الجهني، قال عليه الصلاة والسلام: أيُّما أحبُّ إليك، تبايعني بيعةً أعرابيةً، أو بيعة هجرةٍ؟ قلت: بل بيعة هجرةٍ، -وهذه أعلى رتبةً ومنزلة وقربًا- فبايعني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على ما بايع عليه المهاجرين، قال: أقمتُ معه ليلةً، ثم مضيت إلى غنمي، ليلة واحدة، وكنا اثنا عشر رجلاً مِمَّن أسلموا، نقيم بعيداً عن المدينة، لنرعى أغنامها في بوادينا، فقال بعضنا لبعض: والله لا خير فينا، إذا نحن لم نقدُم على رسول الله صلّى الله عليه وسلًم، يوماً بعد يوم، ليفقِّهنا في ديننا، وليسمعنا ما ينزل عليه من وحي السماء، فليمض كلَّ يومٍ واحدٌ منا إلى يثرب، وليترك غنمه لنا، فنرعاها له, فقلت لهم: اذهبوا إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم واحداً بعد آخر، وليترك لي الذاهب غنمه، لأني كنت شديد الإشفاق على غنيماتي مِن أن أتركها لأحد . ثم طفق أصحابي يغدون الواحد تلوَّ الآخر إلى النّبي صلّى الله عليه وسلّم، ويترك لي غنمه أرعاها له، فإذا جاء أخذت منه ما سمع، وتلقيِّت عنه ما فقه، لكنني ما لبثت أن رجعت إلى نفسي، وقلت: ويحك، أمن أجلُّ غنيماتٍ لا تسمن ولا تغني، تفوِّت على نفسك صحبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم, والأخذ عنه مشافهةً، من غير واسطة, ثم تخلّيت عن غنيماتي، ومضيت إلى المدينة، لأقيم في المسجد، بجوار رسول الله صلّى الله عليه وسلّم)) 

     سيدنا عقبة بن عامر الجهني إنسان يرعى غنيمات في البادية، ما مرتبته الاجتماعية؟ راعي غنم، وأعتقد أن أقل وظيفة في الأرض أن تكون راعي غنم، لكن سيدنا عقبة بن عامر الجهني، لما لازم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، ولعلكم لا تصدقون، لم يكن يخطر على بال عقبة بن عامر الجهني حين اتخذ هذا القرار الحاسم الحازم، الذي آثر غنيماته في البادية على مجلس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، أنه سيغدو بعد عقدٍ من الزمان, والعَقْد عشرُ سنوات: 

1ـ عالماً من أكابر علماء الصحابة . 

2ـ قارئاً من شيوخ القرَّاء . 

3ـ قائداً من قوَّاد الفتح . 

4ـ والياً من ولاة الإسلام المعدودين . 

     ولم يخطر على باله مجرَّد التخيُّل وهو يتخلّى عن غنيماته، ويمضي إلى الله ورسوله، أنه سيكون في طليعة الجيش الذي يفتح دمشق، هو الذي ساهم مع قيادة الجيش في فتح دمشق، ويتخذ لنفسه داراً بين رياضها النضرة عند باب توما، ولم يكن يتصور أنه سيكون أحد القادة الذين سيفتحون مصر، وأنه سيغدو والياً عليها، ويتخذ لنفسه داراً في سفح جبلها المقطم، كلُّ هذا كان بعد أن تخلّى عن غنيماته. لذلك هذا الحديث القدسي يجب أن يبقى في أذهانكم: (( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ, وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ )). فهذا سيدنا عقبة، لزم النبي عليه الصلاة والسلام، فكان كظله، يمضي بين يديه, وكثيراً ما أردفه النبي وراء ظهره، حتى دُعي برَدِيفِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وربما نزل له النبي الكريم عن بغلته، ليكون هو الذي يركب، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي يمشي . تحدَّث عقبة, فقال: (( كنت آخذًا بزمام بغلة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في بعض طرق المدينة، فقال لي النبي: اركب، وهو يمسك بزمام البغلة، فهممتُ أن أقول: لا، لكني أشفقت أن يكون في هذا معصيةٌ لرسول الله, ثم ما لبثت أن نزلتُ عنها، وركب النبي عليه الصلاة والسلام، ثم قال لي: يا عقبة، ألا أعلِّمك سورتين لم يُرَ مثلهما قط؟ قلت: بلى يا رسول الله، فأقرأني قول الله تعالى: ﴿ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ... ﴾، و﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ...﴾ ثم أُقيمت الصلاة، وتقدَّم وصلّى بهما، وقال: اقرأْهما كلّما نِمْتَ، وكلّما قمتَ، -هذا توجيه النبي- قال عقبة:  فما زلت أقرأهما ما امتدت بي الحياة )) 

     فهذا الصحابي الجليل، جعل همه في أمرين اثنين: العلم، والجهاد، وانصرف إليهما بروحه وجسده، وبذل لهما من ذاته أسخى البذل وأكرمه: 

     أما في مجال العلم فقد جعل يعبُّ من مناهل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الثرَّة العذبة، حتى غدا مقرئًا. ترك الغنيمات, وتبع النبي عليه الصلاة والسلام، فصار مقرئًا، محدثاً، فقيهاً، فرضياً، ومعنى فرضي، أي عالماً بالفرائض، أي علْم المواريث، أديباً، فصيحاً، شاعراً، وكان من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الكريم، وكان إذا ما سجى الليل، وهدأ الكون، انصرف إلى كتاب الله تعالى ، يقرأ من آياته البيِّنات، فتصغي إلى ترتيله أفئدةُ الصحابة الكرام، وتخشع له قلوبهم، وتفيض عيونهم بالدمع من خشية الله. سيدنا عمر دعاه يوماً، وقال له: (( اعرضْ عليَّ شيئاً من كتاب الله يا عقبة، فقال: سمعاً وطاعة يا أمير المؤمنين، وجعل يقرأ له ما تيسر، وعمر يبكي، حتى بللت دموعُه لحيتَه، )) وقد ترك عقبة مصحفاً، مكتوباً بخط يده ، وبقي مصحفه هذا، إلى عهدٍ غير بعيدٍ، موجوداً في مصر، في الجامع المعروف بجامع عقبة بن عامر، وقد جاء في آخره، كتبه عقبة بن عامر الجهني، ومصحف عقبة هذا، من أقدم المصاحف التي وجدت على ظهر الأرض، لكنه فُقد من جملة ما فقد من تراثنا الثمين، ونحن عنه غافلون . 

     أما في مجال الجهاد، فحسبنا أن نعلَم أنّ عقبة بن عامر الجهني شهد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلم أُحُداً، وما بعدها من المغازي، وأنه كان أحد الكماة الأشاوس المغاوير، الذين أبلوا يوم فتح دمشق، أعزَّ البلاء وأعظمه، فكافأه أبو عبيدة بن الجراح على حسن بلائه، بأن بعثه بشيراً إلى عمر بن الخطاب في المدينة، ليبشِّره بالفتح، فظلَّ ثمانية أيامٍ بلياليها، من الجمعة إلى الجمعة، يغِذّ السير دون انقطاعٍ حتى بشَّر الفاروق بالفتح العظيم ثم إنه كان أحد قادة جيوش المسلمين التي فتحت مصر، فكافأه أمير المؤمنين، معاوية بن أبي سفيان، بأن جعله والياً عليها ثلاثة سنين, ثم وجَّهَهُ سيدنا معاوية بن أبي سفيان لغزو جزيرة رودس، تصوَّروا هذه المهمة، أعرابيٌّ لم يعرف البحر، ولكنّ الله يسدِّده ويساعده, أخيرًا صار قائدًا بحريًّا . وقد بلغ مِن ولعِ عقبة بن عامر الجهني بالجهاد أنه وعى أحاديث الجهاد في صدره، واختَّص بروايتها للمسلمين، وأنه دأب على حذق الرماية، فعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى المنبر يقول: (( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ, أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ, أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ, أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ) ) . 

     مرِض سيدنا عقبة بن عامر الجهني مرضَ الموتِ، وهو في مصر، فجمع بنيه وأوصاهم, فقال:  يا بني، أنهاكم عن ثلاث، فاحتفظوا بهن، لا تقبلوا الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم إلا من ثقةٍ، ولا تستدينوا، ولو لبستُم العباءة، ولا تكتبوا شعراً، فتشغلوا به قلوبكم عن القرآن, ولما أدركته الوفاة دفنوه في سفح المقطم، ثم انقلبوا إلى تركته يفتشونها, ماذا ترك؟ فإذا هو قد خلَّف بضعًا وسبعينً قوساً، مع كلِّ قوسٍ قرنٌ ونبال، وقد أوصى بهن أن يُجعلن في سبيل الله . 



المصدر: الصحابة الكرام : 36 - سيدنا عقبة بن عامر الجهني