بحث

أبو سفيان بن الحارث: توبة تمحو عشرين عاماً من العداء

أبو سفيان بن الحارث: توبة تمحو عشرين عاماً من العداء

بسم الله الرحمن الرحيم

     قصة هذا الصحابي أبو سفيان بن الحارث تؤكد أن الحسد أحياناً يهلك صاحبه، لولا أن الله سبحانه وتعالى تلطف به لكان من الهالكين. المتكبر أحياناً يمنعه الحسد أن يستفيد من رجل فاقه في العلم والتقى، فهذا الصحابي الجليل أبو سفيان بن الحارث قلَّ أن اتصلـت الأسباب بين شخصين, وتوثقت العرى بين إنسانين ، كما اتصلت وتوثقت بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين أبي سفيان بن الحارث، يعني علاقة متينة، وشائج ثابتة بين أبي سفيان بن الحارث وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لماذا؟ لأن هذا الرجل أبا سفيان بن الحارث كان لِدة من لدات رسول الله، وتِرباً من أترابه، وُلِدا في زمن متقارب، وكان ابن عم النبي، فأبوه الحارث وعبد الله والدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ينحدران من صُلبِ عبد المطلب، ثم إنه كان أخاً للنبي عليه الصلاة والسلام من الرضاعة، فقد غذَّتهما السيدة حليمة السعدية من ثدييها معاً ، وبَعد هذا كله كان صديقاً حميمًا للنبي عليه الصلاة والسلام قبل النبوة، وأشد الناس شبهاً به .  

     وهنا سؤال يطرح نفسَه, حينما تأتي الرسالة لهذا النبي العظيم، فمَن تتوقعون أن يكون أسبقَ الناس إلى الإيمان به؟ أبو سفيان، من كان ينبغي أن يكون أقرب الناس إليه؟ أبو سفيان، على أبي سفيان أن يكون أسبقَ الناس إلى تلبية دعوة النبي، ولكن الأمر جاء على خلاف ذلك، إذْ ما كاد النبي صلى الله عليه وسلم يظهر دعوته، وينذر عشيرته، حتى شبت نار الضغينة, الضغينة الحقد والكراهية، وقد يكون السبب هو الحسد. استحالت هذه الصداقة إلى عداوة، ويوم صدع النبي صلى الله عليه وسلم بدعوة ربه كان أبو سفيان فارساً من أنبه فرسان قريش، وكان شاعراً من أعلى شعرائهم، فما إن امتلأ قلبه حقداً وضغينةً وحسداً حتّى وضع سنانه ولسانه في عداوة النبي، جنّد طاقاته كلها للنكاية بالإسلام والمسلمين، فما خاضت قريشٌ حرباً ضد النبي صلى الله عليه وسلم إلا كان مسعرها، ولا أوقعت بالمسلمين أذى إلا كان له فيه النصيب الأكبر، كتلة شر وحسد .    وطالتْ عداوة أبي سفيان بن الحارث للنبي عليه الصلاة والسلام حتى قاربت عشرين عاماً، لم يترك أبو سفيان بن الحارث في هذه الأعوام العشرين ضرباً من ضروب الكيد للنبي صلى الله عليه وسلم إلا فعله، قبيل فتح مكة بقليل كُتب لأبي سفيان أن يسلم، وكان لإسلامه قصة مثيرة لندعَ الحديث لأبي سفيان نفسه، قال أبو سفيان بن الحارث:   

     ((لما استقـام أمر الإسلام، وقرّ قراره، وشاعت أخبار انتصار النبي صلى الله عليه وسلم، وتوجه إلى مكة ليفتحها ضاقت علي الأرض بما رحبت, أين أذهب؟ ولِمَن ألتجئ؟ ثم جئت زوجتي وأولادي, وقلت: تهيؤوا للخروج من مكة، فقد أوشك وصول محمد، وإني لمقتول لا محالة إن أدركني المسلمون، فقالوا لي: أمَا آن لك أن تبصر أن العجم والعرب قد دانت لمحمد بالطاعة إلى متى العناد؟ إلى متى الكبر؟ قال: وما زالوا بي يعطفونني على دين محمد، ويرغبونني فيه حتى شرح الله صدري للإسلام ثم قال:  قمت من توئي, وقلت لغلامي: هيئ لي نوقاً وفرساً، وأخذت معي ابني جعفرًا، وجعلنا نغذّ السير نحو الأبواء بين مكة والمدينة فقد بلغني أن محمدًا نزل فيها، ولما اقتربت منها تنكرت, حتى لا يعرفني أحد، فأقتل قبل أن أصل إلى النبي، وقبل أن أعلن إسلامي بين يديه، ومضيت أمشي على قدمي نحواً من ميل وطلائع المسلمين تمضي ميممةً شطر مكة، جماعة إثر جماعة، فكنت أتنحى عن طريقهم فرَقاً؟ أي خوفاً منهم، وفرقاً من أن يعرفني أحد من أصحاب محمد، وفيما أنا كذلك إذ طلع النبي صلى الله عليه وسلم في موكبه, قال: فتصديت له, ووقفت تلقاءه، وحسرت عن وجهي فما إن ملأ عينه مني وعرفني حتى أعرض عني إلى الناحية الأخرى ، فتحولت إلى ناحية وجهه، فأعرض عني وحوّل وجهه، يقول هذا الصحابي:  كنت لا أشك وأنا مقبل على النبي أن رسول الله سيفرح بإسلامي ، وأن أصحابه سيفرحون لفرحه، قال:  لكن المسلمين حينما رأوا إعراض الرسول عني تجهموا لي، وأعرضوا عني جميعاً، فقلت: يا جماعة، قد أسلمت, لقد لقيني أبو بكر فأعرض عني أشد الإعراض، نظرت إلى عمر بن الخطاب نظرةً استميل بها قلبه، فوجدته أشد إعراضًا من أبي بكر، بل إنه أغرى بي أحد الأنصار، فقال لي الأنصاري: يا عدو الله, أأنت الذي كنت تؤذي رسول الله، وتؤذي أصحابه، وقد بلغت في عداوتُك للنبي مشارق الأرض ومغاربها؟ وما زال الأنصاري يستطيل عليّ ويرفع صوته، والمسلمون يتفحصونني بأعينهم، ويُسَرُّون بما ألاقي، حتى أبصرت عمي العباس فَلُذْتُ به، عند ذلك أبصرت عمي العباس فلذت به، وقلت يا عم: شفاعتك، قد كنت أرجو أن يفرح رسول الله بإسلامي لقرابتي منه، وشرفي في قومي، لم تعُدْ شريفًا الآن، الشرف أن تؤمن وقد كان منه ما تعلم، ما سلم علي، ما قبلني، ما نظر إليّ لا هو، ولا الصِّدِّيق، ولا عمر، فكلِّمْه فيّ ليرضى عني، فقال: لا واللهِ لا أكلمه كلمةً أبداً بعد الذي رأيته مِن إعراضه عنك، إلا إن سنحت ليّ فرصة فإني أجل رسول الله وأهابه، فقلت يا عم: إلى من تكلني إذاً, وماذا أفعل؟ . قال: ليس لك عندي غير ما سمعت، فتملَّكني الهمّ، وركبني الحزن، ولم ألبث أن رأيتُ ابن عمي علي بن عمي أبي طالب فكلمته في أمري، فقال لي مثل ما قال عمي العباس، فالكل يعرض، قال:  ولما نزل النبي صلى الله عليه وسلم بالجحفة, جلست على باب خيمته، ومعي ابني جعفر قائماً، فلما رآني النبي وهو خارج من منزله، أزاح عني بوجهه، لا أمل لي ، فلم أيئس من استرضائه، وجعلت كلما نزل بمنزل اجلس على بابه، وأقيم ابني جعفرًا واقفاً بحذائي، فكان إذا أبصرني أعرض عني، وبقيت على ذلك زماناً، فلما اشتد علي الأمر وضاق، قلت لزوجتي: والله ليرضين عني رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لآخذن بيد ابني هذا، ثم لنذهبن هائميْن على وجوهنا في الأرض حتى نموت جوعاً، قال: فلما بلغ ذلك رسول الله، رق لي، ولما خرج من قبته نظر إليَّ نظراً لكن ألين من النظر الأول وكنت أرجو أن يبتسم فلم يبتسم .ثم دخل النبي عليه الصلاة والسلام مكة، فدخلت في ركابه، وخرج إلى المسجد فخرجت اسعى بين يديه، لا أفارقه على حال، قال:  ولما كان يوم حنين جمعت العرب من أهل الشرك لحرب النبي صلى الله عليه وسلم، ما لم تجمع قط، وأعدت للقائه ما لم تعد من قبل، وعزمت على أن تجعلها القاضية على الإسلام والمسلمين، وخرج النبي صلوات الله عليه في لقائه في جموع من أصحابه فخرجت معه، ولما رأيت جموع المشركين الكبيرة قلت: والله لأكفرن اليوم عن كل ما سلف مني، من عداوة رسول الله، وليرين النبي مني ما تقر به عينه ، قال: ولما التقى الجمعان اشتدت وطأة المشركين على المسلمين، فدبّ فيهم الوهن والفشل، وجعل الناس يتفرقون عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بالنبي فداه أبي وأمي، يثبت في قلب المعركة على بغلته الشهباء، كأنه الطود الراسخ، ويجرد سيفه، ويجاهد عن نفسه وعمن حوله، كأنه الليث عادياً، عند ذلك وثبتُ عن فرسي، وكسرت غمد سيفي، واللهُ يعلم أني أريد الموت دون رسول الله، وأخذ عمي العباس بلجام بغلة النبي، ووقف إلى جانبه، وأخذت أنا مكاني من الجانب الآخر، وفي يميني سيفي أذود به عن رسول الله، أما شمالي فكانت ممسكةً بركاب النبي، وبيده السيف يدافع بها عن رسول الله، فلما نظر النبي إلى حسن بلائي، قال لعمي العباس: من هذا؟ فقال العباس: هذا أخوك يا رسول الله، هذا ابن عمك أبو سفيان، فارضَ عنه يا رسول الله، فقال: قد فعلت، وغفر الله له كل عداوة عاداني إياها ، فاستطار قلبي فرحاً برضى رسول الله عني, وقبلت رجله في الركاب، ثم التفت إليّ, فقال له: أخي لعمري تقدم فضارب قال: ألهبت كلمات رسول الله حماستي فحملت على المشركين حملة أزالتهم عن مواضعهم، وحمل معي المسلمون حتى طردناهم قدر فرسخٍ ففرقناهم في كل وجه )).

     كان أبو سفيان بعد وقعة حنين ينعم بجميل رضى النبي عنه، ويسعد بكريم صحبته، من خجله منه، وقيل: إنه لم يرفع نظره إليه أبداً، هذه العشرون سنة كسرت نفسه وحجّمته، ما رفع نظرًا له أبداً، ولا ثبت نظره في وجهه حياء منه، وخجلاً من الماضي معه . وجعل أبو سفيان يعض بنان الندم على الأيام التي قضاها في الجاهلية محجوباً عن نور الله، محروماً من كتاب الله، أقبل على كتاب الله يقرؤه ليلاً ونهاراً، ويتفقه في أحكامه، ويتملى من عظاته، وأعرض عن الدنيا وزهرتها، وأقبل على الله بكل جارحة من جوارحه، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم رآه ذات يومٍ يدخل المسجد, فقال لعائشة رضي الله عنها:  يا عائشة, أتدرين مَن هذا؟ قالت: لا والله، قال: إنه ابن عمي أبو سفيان، انظري إليه إنه أول من يدخل المسجد, وآخر من يخرج منه، ولا يفارق بصره شراك نعليه أبداً )).

     ولما لحق النبي صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى حزن عليه أبو سفيان حزن الأم على وحيدها، لا على ابنها، بل على وحيدها، وبكاه بكاء الحبيب على حبيبه، ورثاه بقصيدة، فهو شاعر، فهذه مناسبة تجود بها القرائح الشعرية، ورثاه بقصيدة من أَرَقِّ المراثي، تفيض لوعةً وشجوناً، وتذوب حسرة وأنينًا. وفي خلافة الفاروق رضي الله عنه أحسّ أبو سفيان بدنو أجله، فحفر قبره بنفسه، ولم يمض على ذلك غير ثلاثة أيام حتى حضرته الوفاة، كأنه مع الموت على ميعاد، فالتفتَ إلى زوجته وأولاده وأهله وهم يبكون حوله، ماذا قال لهم: لا تبكوا علي، ولا تحزنوا، فو الله ما تعلقت بخطيئة منذ أسلمت. أنا أعتقد والله أعلم أنّ النبي من أول لقاء فرح بإسلامه، لكن باعتبار عشرين سنة عداء، فمَن أخذ البلاد من غير حرب يهُنْ عليه تسليمها، وحتى رضي عنه مضتْ فترة طويلة، ثم فاضت روحه الطاهرة فصلى عليه الفاروق نفسه، وحزن لفقده هو وأصحابه الكرام, وعدوا موته جللاً حل بالإسلام وأهله. قال تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾.



المصدر: الصحابة الكرام : 18 - سيدنا أبو سفيان بن الحارث