صحابي اسمه الذي سماه به أهله زيد الخيل، فلما سأله النبيّ صلى الله عليه وسلم عن اسمه، قال: أنا زيد الخيل ، فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير ، فسميّ بعد ذلك بهذا الاسم، ( زيد الخير ) . هذا الصحابيّ الجليل، له في الجاهلية اسمٌ كبير، وكان علَماً من أعلام الجاهلية، وقصته تؤكِّد لكم ثانيةً صحة قول النبيّ عليه الصلاة والسلام في حديثه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( تَجِدُونَ النَّاسَ مَعَادِنَ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا, وَتَجِدُونَ خَيْرَ النَّاسِ فِي هَذَا الشَّأْنِ أَشَدَّهُمْ لَهُ كَرَاهِيَةً, وَتَجِدُونَ شَرَّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَيَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ )).
لمَّا بلغت أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، سمع زيد الخيل، ووقف على شيءٍ مما يدعو إليه . -فالإنسان إذا بلغه الحق، ولم يستجب له، يعدُّ أحمقَ، لأن هذه الفرصة ربما لا تتكرر، فإذا دُعيتَ إلى الحق فاستجِبْ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، الإنسان قبل أن يعرف الله ميِّت، قال تعالى: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾. أنا أتعجَّب مِن هذا الذي يرفض الإسلام قبل أن يتعلَّمه، يرفض الدين قبل أن يطَّلع عليه -أعدَّ راحلته، ودعا السادة الكبراء من قومه إلى زيارة يثرب ولقاء النبيّ عليه الصلاة والسلام، بالمناسبة في القرآن آية كريمة دقيقة جداً، قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾. ركب زيد الخيل، ومعه وفدٌ كبيرٌ من طيِّئ، فيهم زر بن سدوس، ومالك بن جُبير، وعامر بن جوين، وغيرهم، وغيرهم، فلما بلغوا المدينة، توجَّهوا إلى المسجد النبويّ الشريف، وأناخوا ركائبهم ببابه، وصادف عند دخولهم أن كان عليه الصلاة والسلام، يخطبُ المسلمين على المنبر، من فوق المنبر، -يعني جاؤوا وقت خطبة الجمعة-، فراعهم كلامه، وأدهشهم تعلُّق المسلمين به. الحب بين المؤمنين علامة الإيمان, أما البغضاء، والتحاسد، والطعن، والتشكيك، وإيقاع المشكلات بين المؤمنين، فهذا المجتمع لا يرضى الله عنه، ولا يرضيه، ولا قيمة له عند الله. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَحَاسَدُوا, وَلَا تَنَاجَشُوا, وَلَا تَبَاغَضُوا, وَلَا تَدَابَرُوا, وَلَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا, الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ وَلَا يَحْقِرُهُ, التَّقْوَى هَاهُنَا وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ )) . وقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ,: (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَـةً مِنْ كـُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ فِي الدُّنْيَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَمَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِـمٍ فِي الدُّنْيَا سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ, وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ )) -.
فما أبصرهم النبيّ عليه الصلاة والسلام، -لقد كان النبيُّ فطنًا، والأنبياء كلهم فطِنون- ورأى وفدًا يدخل المسجدَ أول مرة، حتى أدار بعض الكلام وخاطبهم به، فقال: (( إني خيرٌ لكم من العُزَّى، ومن كل ما تعبِدون، إني خيرٌ لكم من الجمل الأسود، الذي تعبِدونه من دون الله )) . لقد وقع كلام الرسول عليه الصلاة والسلام في نفس زيد الخيل ومَن معه موقعين مختلفين، بعضهم استجاب للحق، وأقبل عليه، وبعضهم تولَّى عنه، واستكبر عليه، أما زر بن سدوس فما كاد يرى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في موقفه الرائع، تحُفُّه القُلوب، وتحوطه العيون، حتى دبَّ الحسدُ في قلبه، وملأ الخوف فؤاده، ثم قال لمن معه: إني لأرى رجلاً ليملِكن رِقابَ العرب، واللهِ لا أجعلُه يملك رقبتي أبداً، قال تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾، وأما زيدٌ والآخرون، فقد كان لهم شأنٌ آخر، فما إن انتهى النبيّ عليه الصلاة والسلام من خطبته، حتى وقف زيد الخيل بين جُموع المسلمين، وكان من أجمل الرجال، وأتمِّهم خلقةً، وأطولهم قامةً، وقف بقامته الممشوقة، وأطلق صوته الجهير، وقال: (( يا محمد، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فأقبل عليه النبيّ صلى الله عليه وسلم، قال: مَن أنت؟ قال: أنا زيد الخيل بن مُهلهل، فقال عليه الصلاة والسلام: بل أنت زيد الخير، لا زيد الخيل، الحمد لله الذي جاء بك من سهلِكَ وجبلك، ورقق قلبك للإسلام ، فعُرِف بعد ذلك بزيد الخير، ثم مضى به النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى منزله، ومعه عمر بن الخطَّاب، ولفيفٌ من الصحابة، فلما بلغوا البيت طرح النبي عليه الصلاة والسلام لزيدٍ متَّكأً فعظُم عليه أن يتكئ في حضرة النبيّ عليه الصلاة والسلام، وقال: واللهِ يا رسول الله، ما كنتُ لأتكئ في حضرتك , وردّ المُتَّكأ وما زال يُعيده إلى النبيّ، وهو يرُدّه، ولما استقر بهم المجلس، قال عليه الصلاة والسلام لزيد الخير: يا زيد ما وصِف لي رجلٌ قط، ثم رأيته، إلا كان دون ما وصف، إلا أنت . قال له: يا زيد، إنّ فيك خصلتين، يحبهما الله ورسوله ، قال: وما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ، فقال زيد الخير وكله أدب: الحمد لله الـذي جعلنـي على ما يُحب الله ورسولـه ، ثم التفت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، أعطني ثلاثمئة فارس، وأنا كفيلٌ لك، بأن أُغير بهم على بلاد الروم، وأنال منهم , فأكبر النبيّ عليه الصلاة والسلام، همته هذه، وقال له: لله درُك يا زيد، أيّ رجُلٍ أنت ؟!. ولمّا همّ زيدٌ بالرجوع إلى بلاده في نجد ودَّعه النبيّ عليه الصلاة والسلام وقال بعد أن ودَّعه: أيّ رجُلٍ هذا؟ كم سيكون له من الشأن، لو سلم من وباء المدينة ؟ وكانت المدينة المُنورة موبوءةً بالحمى، فما إن برحها زيد الخير حتى أصابته، فقال لمن معه: جنِّبوني بلاد قيس، فقد كانت بيننا وبينهم حماقاتٌ من حماقات الجاهلية، ولا واللهِ لا أُقاتل مسلماً حتى ألقى الله عزوجل ، وتابع زيد الخير سيره نحو ديار أهله في نجد، على الرغم من أن وطأة الحمَّى كانت تشتد عليه ساعةً بعد أُخرى، فقد كان يتمنَّى أن يلقى قومه، وأن يكتب اللهُ لهم الإسلامَ على يديه، وطفِق يسابق المنية، والمنية تُسابقه، لكنها ما لبِثت أن سبقته، فلفَظَ أنفاسه الأخيرة في بعض الطريق، ولم يكن بين إسلامه وموته مُتسعٌ.
هذا سيدنا زيد، لقد كان مُخلصًا، وما عاش بعد إسلامه طويلاً، قد مات في الطريق إلى أهله، فالإنسان عليه أن يُخلص، والمُخلٍص في أعلى مقام عند الله عزَّ وجل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ الْقَلِيلُ مِنَ الْعَمَلِ )) . فمع الإخلاص لله عزَّ وجل ينفعُ كثيرُ العمل وقليله، ومن دون إخلاصٍ لا ينفع لا كثيرُ العمل ولا قليلُه، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾. والعمل الذي لا إخلاص فيه، لا خير فيه، ومردود على صاحبه.
