من نفَّث عن مؤمنٍ

بسم الله الرحمن الرحيم

قال النبي صلى الله عليه وسلم :
من نفَّث عن مؤمنٍ كُربةً من كرب الدنيا نفث الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى قط يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطَّأ به عمله لم يسرع به نسبه

حديثٌ فيه وصفٌ لأبواب الخير، ولكن يقفز إلى الذهن سؤال ؟ لماذا يزهد الناس في الخير ؟ أبواب الخير مفتحة بل كلما ضاقت الأمور، كلما اشتد الأمر على الناس تغدو الأبواب أكثر تفتُّحاً، هؤلاء الأقوياء، هؤلاء الأغنياء، هؤلاء الذين بإمكانهم أن يفعلوا شيئاً ما، أبواب الخير مفتحةٌ أمامهم على مصارعها، السؤال : لماذا يعزف معظم الناس عن فعل الخير ؟ هذا سؤال .
الإنسان أيها الإخوة إذا تأمَّل في الكون، أو قرأ القرآن، لأن الكون يجسِّد أسماء الله الحسنى، والقرآن كلام الله عزَّ وجل، إن جال متأملاً في آيات الكون، أو درس ما في القرآن الكريم، توصَّل إلى أن الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم، وأن الله سبحانه وتعالى سخَّر الكون كله ؛ بسماواته وأرضه لهذا الإنسان، وأنه خلق الإنسان في أحسن تقويم، وكرمه أعظم تكريم، ما هو رد الفعل عند هذا الإنسان ؟ إذا إنسان كرمك، أعطاك، نَعَّمك، رفع شأنك، أعطاك حاجتك، ما رد الفعل عنده ؟ إذا آمنت بالله يجب أن تحبه، هناك حديثٌ دقيقٌ جداً،
يقول عليه الصلاة والسلام :

أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً

يبدو أن هناك علاقة ترابطية بين العقل والحب، فكلما ازداد عقلك ازداد حبك لله عزَّ وجل، كلما استخدمت عقلك في فهم عظمة الكون، ومن خلال ذلك تعرف عظمة الله عزَّ وجل، كلما نشأ في قلبك انفعال، ما الإنسان ؟ الإنسان عقل وقلب، عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب، وهناك ترابطٌ بينهما، فإذا آمنت بالله يجب أن تحبه،
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث يقول :

ألا لا إيمان لمن لا محبة له

هناك ترابط ؛ كلما ازداد إيمانك ازدادت محبتك .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام:

والله لا تؤمنوا حتى تحابوا

تحب من ؟ هنا السؤال تحب مَن ؟ الله سبحانه وتعالى الذي خلقك من قبل ولم تكُ شيئاً ..
قال الله تعالى:

(هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً)

[سورة الإنسان]

الله سبحانه وتعالى هو الذي منحك نعمة الوجود، أنت موجود ؛ لك اسم، لك هوية، لك وزن، لك حياة انفعالية، حياة عقلية، لك بيت، لك زوجة، لك أولاد، أنت موجود، مَن منحك نعمة الوجود ؟ الله سبحانه وتعالى.
أنت موجود، وقد أمدك الله بالنعم كلها، مَن هو الذي أمدك بهذه بالنعم كلها ؟ الله سبحانه وتعالى .
أنت موجود، وتأكل وتشرب وتعيش، من دلك عليه ؟ من أرشدك إليه ؟ الله سبحانه وتعالى . إذاً كلما ازداد عقلك ازداد حبك .
إذاً من لوازم الإيمان أن تحب الله عزَّ وجل، آمنت به حقاً، إذا يجب أن تحبه صدقاً، لذلك بعض العلماء يشبهوا العقل كالمِقْوَد، والقلب كالمحرك، فالمقود والمحرك متكاملان، ما قيمة محرك بلا مقود ؟ لابد من الدمار والهلاك، محرك مندفع بقوة بلا مقود، ما قيمة المقود بلا محرك ؟ جمود وموت، مركبة بمقود بلا محرك، مركبة أخرى بمحرك بلا مقود العقل هو المقود والقلب هو المحرك، بالمقود أو العقل تحكم سير المركبة على الطريق الصحيح، وإلى الهدف الصحيح، وبالقلب وما فيه من حبٍ تتحرك على هذا الطريق، إذاً إن لم ينشأ في قلبك حبٌ لله عزَّ وجل بادئ ذي بدءٍ، فهذا يعني أن الإيمان غير صحيح، إذا صح الإيمان وجب الحب، الحب من لوازم الإيمان .. ألا لا إيمان لمن لا محبة له
وربنا سبحانه وتعالى في كتابه ذكر فقال :

(يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ)

[سورة المائدة : من آية 54]

يعني كلمة الحب في القرآن وردت، من لوازم المؤمن أنه يحب الله عزَّ وجل، ولكن هناك تعليق لطيف، نقول لكم مثلاً : لو أن إنساناً عيَّن موظفاً عنده، وأعطى هذا الموظف المعاش الكبير، أعطاه بيتاً، أعطاه مركبةً، أعطاه كل ما يحتاج، أكرمه، فضله، رفع شأنه، يسَّر له حاجاته، يا ترى هذا الموظف ألا ينبغي أن يحب صاحب متجره، أو صاحب معمله ؟
لكن متى يُحب صاحب المتجر هذا الموظف بعد أن أكرمه؟ إذا تفانى في خدمة سيده، إذا عرف له فضله، إذا تفانى في الإخلاص له، الآن سيده يحبه، سيده أكرمه أولاً، هذا مثل .
الله عزَّ وجل خلق الكون، وخلق الإنسان، ومنحه كل شيء ؛ منحه نعمة الوجود، ونعمة الهداية، ونعمة الإمداد، وجعل له سمعاً، وبصراً، وعقلاً، وأعضاء، وأجهزة، وجعل له أسرة، وزوجة، وأولاد، هذا الذي جعله له يستوجب أن يحب العبد ربه، فإذا أحب العبد ربه، واستقام على أمره، وتفانى في خدمة عباده، الآن تأتي محبة الله لهذا العبد ..
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ)

[سورة البقرة]

وقال تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)

[سورة البقرة]

وقال تعالى:

(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)

[سورة المائدة]

وقال تعالى:

(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ)

[سورة التوبة]

يحب المؤمنين، يحب الصادقين، إذاً هناك محبةٌ العبد للرب، وهناك محبة الله سبحانه وتعالى للعبد، محبة العبد للرب أساسها تسيير الكون، وهذه النعم التي أسبغها الله علينا .
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

أحبوا الله بما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا آل بيتي لحبي

هناك محبةٌ هي الأصل، وهناك محبةٌ هي الفرع، محبة الله عزَّ وجل هي الأصل، أن تحب النبي عليه الصلاة والسلام هذه محبةٌ ناتجةٌ عن حب الله عزَّ وجل، لذلك حب النبي عليه الصلاة والسلام من لوازم حب الله عزَّ وجل لأنه رسوله، ولأنه المثل الأعلى، لأنه القدوة الحسنة، لأنه المثل الصالح .
الآن، إذا أحببت الله عزَّ وجل أحببت رسوله، أحببت من دلك على رسوله، أحببت إخوانك المؤمنين لهذا الانسجام بينك وبينهم، إذاً حب رسول الله، وحب أهل العلم، وحب اخوتك المؤمنين، هذه كلها محبَّاتٌ ناتجةٌ عن محبة الله عزَّ وجل .
الآن، إذا أحببت الله عزَّ وجل وهؤلاء خلقه، وهؤلاء عباده، الآن تنطلق بشكلٍ عفوي إلى خدمة عباده تقرباً إليه، هذا هو السر الكامن وراء عزوف الناس عن فعل الخيرات، لماذا ؟ لأنك إذا أحببت الله عزَّ وجل هؤلاء عباده، حبك لهم حبٌ فرعيٌ ناتجٌ عن حبك لله عزَّ وجل، فما من مسلمٍ، ما من عبدٍ مؤمنٍ يتقد قلبه بالحب لله عزَّ وجل، إلا ويندفع لخدمة الخلق، أقول : لخدمة الخلق . ومعنى الخلق أي الحيوانات معهم، يعني حيوانٌ جريحٌ، حيوانٌ جائعٌ، حيوانٌ عطشٌ، تندفع إلى خدمة الخلق أولاً، وإلى خدمة الناس ثانياً، وإلى خدمة المؤمنين ثالثاً ـ من باب أولى ـ .
الآن، نعود إلى الحديث الشريف:

من نفَّث

معنى نفَّث بمعنى فرَّج،

من نفث عن مؤمنٍ كربة

الكربة الهم والحزن الضاغطان على الإنسان، جمع كربة كرب
أحياناً يكون في خبر مؤلم جداً، في مشكلة، في مرض، في ضيق، في فقر، في دين، هناك همٌ وغم يضغط على الإنسان، وهذا المؤمن عبدٌ لله عزَّ وجل والله يحبه، فإذا خدمت هذا المؤمن فكأنما عبَّرت عن حبك لله عزَّ وجل .
في عندنا قاعدة وهي : أن الجزاء من جنس العمل . ما حكمة ذلك ؟ حكمة ذلك تربوية تعليمية، أحياناً ربنا عزَّ وجل المسرف يعاقبه بالفقر، والمتكبر يعاقبه بالإهانة، والمعتدي يعاقبه بأن يُعتدى عليه، فكل ذنبٍ له عقابٌ من جنسه من أجل أن يعلِّم الله سبحانه وتعالى الناس ؛ أن هذه العقوبة هذا جزاؤها، هذا الذنب هذا عقابه، وكذلك الحسنات لها جزاءٌ من جنسها .

من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا

يعني مضطر للمال، يريد أن يجري عملية جراحية وهو صادق، فإذا وفَّرت له هذا المال لكي يجري هذه العملية لابنه، هذا الكرب، وهذا الضيق، وهذا الهم، وهذا الحزن فرجته عنه، شيءٌ جميل ! أحياناً يحتاج إلى مال، لكنك لا تملك هذا المال، ألا يوجد حل ؟ بإمكانك أن تسعى لدى المحسنين بتأمين هذا المبلغ، أنت كأنك قدمت هذا المال، الدال على الخير كفاعله . هذا المؤمن بحاجة إلى قرض وليس بحاجة إلى مال، هو يأبى أن يأخذ مالاً، وفَّرت له هذا القرض، نفثت عنه كربةً من كرب الدنيا .
هذا المؤمن يحتاج إلى جاهك، له عند إنسان حاجة وهو محق فيها، يحتاج إلى جاهك كي تكلم هذا الإنسان،
قال الله تعالى:

(مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا)

أنت لك مكانتك، وإنسان له حاجة، وهو ضعيف الشأن، فذهبت وعطلت وقتك، وحللت مشكلة هذا الإنسان، أنت نفثت عنه كربة من كرب الدنيا، فإذا كان أخوك المؤمن محق في طلبه، وقضيته عند إنسان يثق بك، ولك شأنٌ عنده، إذاً أنت مكلفٌ أن تنفث عنه هذه الكربة، لأن الله سبحانه وتعالى وعدك أن ينفث عنك من كرب الآخرة، من كرب يوم القيامة .
أحياناً هو مريض، ولا يعرف كيف يعالج نفسه، أنت وفرت له العلاج، وفرت له الطبيب المناسب، ضيَّعت وقتك وأخذته إلى الطبيب، وفرت له الدواء لأن الدواء غير موجود، وفرت له الدواء نفثت عنه كربة من كرب الدنيا، لذلك تستحق عندئذٍ أن ينفث الله عنك كربة من كرب يوم القيامة، يعني الإنسان بلا عمل لا قيمة له، حجمه عند الله بحجم عمله والدليل
قال الله تعالى:

(وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)

اسأل نفسك هذا السؤال : ما عملي أنا ؟ ما العمل الذي ألقى الله به يوم القيامة ؟ فإذا أيقنت أن الله موجود ماذا فعلت؟ ماذا أضفت ؟ ما فعلت شيئاً،
قال الله تعالى:

(وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)

لذلك : من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا .. ويبدو أن المؤمن له شأنه عند الله عزَّ وجل، ولو نفثت عن إنسان كائناً من كان جزاك الله على ذلك، ولكن عندما النبي الكريم قال: من نفَّث عن مؤمن لأن هذا المؤمن له شأنه عند الله عزَّ وجل، له حياؤه، له شرفه، له عزته، له كرامته، إذا أنت أمام شخصين ؛ واحد ليس في وجهه ماء يلح عليك في الطلب، ومؤمن لا يسأل، المؤمن أولى لمعاونتك، لأن هذا عنده حياء، عنده عزة، له مكانة، وبعد هذا منضبط ؛ مستقيم على أمر الله عزَّ وجل .وأنا لا أقول أن اجعلوا أعمالكم الصالحة منصبة على المؤمنين .
لذلك : من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا .. إن بإعطائه، إن بتأمين بعض الحاجات له، تأمين الدواء، تأمين الطبيب، تأمين قرض، تأمين مبلغ من المال لقضاء حاجاته .

من نفث عن مؤمنٍ كربة من كرب الدنيا نفث الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة

سيدنا الصديق ـ كما تعلمون ـ كان له عمل وهو في قمة المجتمع الإسلامي، كان له عمل كان يحلب الشاة لجيرانه، له جيران فقراء ليس عندهم من يحلب شياههم، فلما تولى الخلافة دخل على أهل هذا البيت الحزن، لأن هذه الخدمات سوف تنقطع، في اليوم الذي تلى تسلمه منصب الخلافة، طُرق باب هؤلاء الفقراء الأم قالت لابنتها : افتحي الباب يا بنيتي، عادت البنت وقالت : يا أماه جاء حالب الشاة . جاء الذي يحلب لنا الشاة، سيدنا الصديق، على عظم شأنه، وعلى علو مكانته ما كان يترفع عن عمل صالح .
النبي عليه الصلاة والسلام كان يخصف نعله، ويرفُ ثوبه، ويكنس داره، ويحلب شاته ويعجن عجينه، وكان في مهنة أهله .
الإنسان كما قلت لكم له عند الله حجمٌ، وهذا الحجم يكبر بالعمل الصالح، ويصغر بالكسل .
لذلك إذا أحببت الله عزَّ وجل تندفع إلى خدمة خلقه، لأن الله يحبك إذا خدمت خلقه،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله

هذا سر إقبال المؤمن على العمل الصالح سر إقبال المؤمن على العمل الصالح هو هذا، وسر عزوف الناس هن العمل الصالح ضعف حبهم لله عزَّ وجل، وضعف حبهم لله من أين يأتي ؟ من ضعف إيمانهم به، من ضعف معرفتهم به، كلما ازدادت معرفتك ازداد حبك .

ومن يسر على معسرٍ

لك مع إنسان مبلغ من المال، وموقع به سند، وحلَّ الأجل وشعرت أنه صادق، وفي نيته أن يدفع المبلغ لكنه معسر، أنت إذا يسَّرت على هذا المعسر، يسر الله عليك في الدنيا والآخرة، هذه في الدنيا والآخرة، لأن الجزاء من جنس العمل، تقع في أزمة، في مأزق، في موقف حرج، قد تشتري بضاعة لا تملك ثمنها، أعطاك صاحبها وضعاً حرجاً، إما أن تدفع الآن وإما لا أوافق على هذه الصفقة، والصفقة ممتازة لك، فإذا كنت في الماضي قد يسَّرت على معسرٍ، الله عزَّ وجل يلقي في قلب هذا البائع أن ييسر عليك الدفع، يسر الله عليك، إذاً المعسر هذا الذي لا يجد ما يفي دينه هذه حاله .
أحياناً بالعكس اتفقت مع صانع يصنع لك حاجة فتأخر، في عقد، في شروط، وفي غرامات تأخير، لكنك تعلم علم اليقين أن المواد غير متوافرة، في أزمة، فأنت إما أن تتقيد بهذا العقد وتحمله ما لا يطيق، وإما أن تتساهل معه، فهذا معسر، أحياناً يكون في نجَّار وما في خشب، حداد وما في حديد مثلاً، قضية نشأت مشكلة، آلته انتزعت ولا يوجد قطع تبديل فإذا يسرت على معسر كنت أميل لليسر، طبعاً ألا يكون في احتيال، إذا في احتيال، وفي كذب، وفي مراوغة،
سيدنا عمر قال :

لست بالخب ولا الخب يخدعني

لست بالخب، يعني لست محتالاً، ولكنني من الذكاء والعقل بحيث لا يستطيع أحدٌ أن يحتال علي، أنا من الطيب بحيث لا أحتال على أحد، ومن الإدارك السليم بحيث لا يحتال أحدٌ علي .

ومن يسر على معسرٍ يسر الله عليه في الدنيا والآخرة

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رحم الله عبداً سهلاً إذا باع، سهلاً إذا اشترى، سهلاً إذا قضى، سهلاً إذا اقتضى

المؤمن ليِّن يألف ويؤلف، لين العريكة، من استرضي ولم يرض ليس من بني البشر.

ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة

فأحياناً الإنسان يتزوج، ولسببٍ قاهر يطلِّق، لازم تحكي ما هو السبب ؟ ما في نصيب، لازم تفضح الأسرة؟ لازم تنشر غسيلها أمام الناس ؟ هكذا المؤمن ؟ ألا تحب أن يسترك الله عزَّ وجل ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

من تتبع عورة أخيه المؤمن تتبع الله عورته حتى يفضحه في عقر بيته

إذا الإنسان أسرَّ لك شيء وأنت كنت طبيب، كنت محام، كنت محكم تجاري، كنت محكم بين زوجين، وحكت له فصوله وحكى لك فصولها، وقصص كلها غريبة جداً، وممتعة لو حكتها للناس، هكذا تعمل، هكذا يعمل، هكذا يعمل هو، قاعد في سهرة ووجدت نفسك طليق اللسان، هكذا المؤمن ؟ إذا تشكى لك همه، حكى لك مشكلته، فضح لك نفسه تفضحه أنت بين الناس ؟
ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة الله عزَّ وجل ستير، ولا يعرف هذا الاسم إلا من تذوقه، تخلقوا بأخلاق الله، أحياناً زوج يشكو لك زوجته، ساعة ضيق حكى لك ما فعلت معه، فأنت حكيت لزوجتك هكذا تعمل معه، زوجتك قاعدة في استقبال وحكت هذه هكذا تعمل مع زوجها، مسكين الزوج بعد جمعة وجد نفسه مفضوح بين الناس، لأنه حكى لك وفشَّ لك قلبه، هكذا المؤمن ؟ النبي علَّمنا اللهم صل عليه إذا إنسان حدثك حديث والتفت خشية أن يسمعه أحد، هذا الحديث بالأمانة، ما قال لك : خليه بيننا سر، هو ما حكى ولكن التفاته خوف أن يسمعه أحد، معنى ذلك أن هذا الحديث بالأمانة .
والإنسان يحب يحكي، نفسه تتوق للحديث، الغيبة محببة للإنسان، هكذا عمل ؟ إيه والله هكذا، وماذا فعل أيضاً ؟ الإنسان نفسه تتمنى الحديث أما السكوت يحتاج لمقاومة، مثلما قلنا التكليف، الطبع تحكي، والتكليف تصمت، الطبع تفضح، والتكليف تستر، الطبع تنظر للنساء، والتكليف تغض بصرك، الطبع تأخذ المال، والتكليف أن تعطيه، الطبع أن تنفد غيظك، والتكليف أن تكظم غيظك، اسمه تكليف، أي في عبء على الإنسان، الطبع أن تحب العاجلة، والتكليف أن تحب الآجلة، كل شيء ينسجم مع طبيعة الإنسان هذا لا أجر له به، أما الشيء الذي يعاكس طبعه هو التكليف، هو الذي يرقى به، فالإنسان لا يظن الدين قضية سهلة، الدين يحتاج لجهد ..
قال الله تعالى:

(إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً)

ثقيل فيه جهد، الطبع أن تنام، والتكليف أن تستيقظ، الطبع أن تسهر، والتكليف أن تنام باكراً، والطبع أن تنام متأخراً، والتكليف أن تستيقظ مبكراً، الطبع أن تأكل ما تشتهي، والتكليف أن تأكل باعتدال .
ومن ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة حكى لي شخص عن رجل من العلماء العاملين، نام فرأى النبي عليه الصلاة والسلام، قال له النبي عليه الصلاة والسلام في الرؤيا : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة.
وهو العالم، وهو الداعية، وهو الخطيب، وهو الإمام له جار سمَّان، فهذا طرق باب هذا الجار وطلب منه يلتقي معه، فقال له : لك عندي بشارة ولكنني والله لا أقولها لك إلا إذا حدثتني بما فعلت، فامتنع، فلما استحلفه وبالغ في استحلافه قال له : تزوجت امرأةً، يعني في الشهر الخامس على وشك الوضع، معنى هذا في مشكلة لها، قال له : بإمكاني أن أطلقها، وبإمكاني أن أفضحها، وبإمكاني أن أطردها، وبإمكاني أن أفعل بها ما أشاء، في معه دليل قطعي، ولكنه جاء بقابلة وولدها، وأخذ بهذا المولود ودخل المسجد مع أذان الفجر، بعد أن نوى الإمام صلاة الفجر، ووضعه وراء الباب، فلما انتهت الصلاة بكى الطفل الصغير، فتحلَّق المصلون حوله وهو كأنه واحدٌ منهم قال : ما القصة ؟ قالوا : انظر هناك طفل، قال: أعطوني إياه أن أكفله ورده إلى أمه وسترها، يبدو أنه زلة قدم سترها، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة ؟ .
يعني إذا إنسان تقدر تستره، واستقام وتاب على يدك، لا تفضحه، إذا تقدر تستر إنسان مخلوق وتاب على يدك توبة نصوحة، أنت لو فضحته حطمته، أهدرت كرامته، ولو رأى نفسه مهدور الكرامة فجر، صار إنسان سيئ، أما ترجاك أن تستره، ووعدك أن هذه آخر مرة، وأنت جربه، وراقبه مراقبة شديدة، فإذا كان صادقاً أنت أنقذته من الفضيحة ..

والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه

الإنسان الذي يخدم الناس الله عزَّ وجل يهيِّء له أشخاص يعاونوه، بقدر ما تعطي تأخذ، وتأخذ أضعاف مضاعفة، مجتمع المؤمنين مجتمع سعيد، لست وحدك في الحياة، ولكن معك إخوة مؤمنين يعاونونك في كل شيء، الأخوة في الله الصادقة أثمن ما في الدنيا أخٌ في الله، يحبك لله لا لمصلحة، قد تنشأ علاقات أساسها المصلحة، هذه العلاقات تنتهي بزوال هذه المصلحة، ولكن الأخ في الله هو الذي يبقى لك إلى نهاية الحياة .

ومن سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة

لم يقل النبي أنه من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى العلم، بل قال ـ إلى الجنة . ما معنى ذلك؟ معنى ذلك أن طريق الجنة العلم .
فالإنسان لو وجد المواصلات صعبة، والطريق ساعة ونصف من بيته، وقف نصف ساعة على الموقف ما في باصات، لا يغتاظ، هو أين ذاهب ؟ هو في طريق الجنة، هو في الطريق إلى الجنة، أحياناً يكون في برد شديد، والغرفة دافئة، وهو قاعد مع أهله وزوجته، ومبسوطين ويضحكوا، أخي خليك اقعد بلا هذه الروحة، أما كنت تشبع علم ؟ مثلاً، هكذا تقول زوجته حاجتك ؟.
في ازدحام في الأسواق، وفي موسم، ووقت الدرس صار، المؤمن الله غالي عليه، أغلق محله التجاري وذهب إلى مجلس العلم،
الحديث النبوي الشريف :

ما ترك عبدٌ أمراً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه

وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله

تلاوة فقط شيء رائع جداً .

وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه

تلاوة ودراسة، القرآن الكريم إن تلوته لك أجر، فهمته لك أجر، حفظته لك أجر، يعني لا يحزن قارئ القرآن .

إلا نزلت عليهم السكينة

هذه السكينة لا يعرفها إلا من ذاقها، إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين، يعني إذا الله عزَّ وجل تجلى على قلبك تشعر أنك من أسعد الناس ..
الحياة لها ضغوط كثيرة جداً، ولها هموم، والحياة وحدها من دون معرفة بالله عزَّ وجل تغر وتضر، وتمر، يأتي ملك الموت فينهي كل شيء، يأخذ منك كل شيء، كل ما حصَّلته في الدنيا يأخذه ملك الموت في ثانية واحدة، صفر اليدين، قال لي واحد : الكفن ليس له جيب تضع فيه جيبك شيكات ما فيك، تضع فيه بعض أنواع العملات الضرورية، الكفن ما له جيوب، هذا القماش ..
وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله تعالى ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة هذا يعبر عنه بعض الإخوان : أنه والله نسر في الجامع، هذه سكينة الله عزَّ وجل وهذا ليس شيء غريب ولكنه شيء طبيعي، لأن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني،
أنت في ضيافة الله عزَّ وجل، أنت في زيارة الله عزَّ وجل، وحُق على المزور أن يكرم الزائر، إذا واحد طرق بابك تستقبله، أقل شيء تقدم له فنجان من القهوة، إذا كان جاءك من بلد بعيدة تستقبله في المطار هكذا الأصول، كلما بعد المكان ازداد الترحيب، فكلما بعد بيتك عن المسجد ازدادت ضيافتك في المسجد، الثواب على قدر المشقة لذلك : إلا نزلت عليهم السكينة…
وفي الحديث القدسي:

إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زوارها هم عمارها، فطوبى لعبدٍ تطهر في بيته ثم زارني وحق على المزور أن يكرم الزائر

وغشيتهم الرحمة

هذا تجلي الله عزَّ وجل

وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده

إذاً إذا أتيت بيت الله عزَّ وجل، نزلت عليك السكينة، وغشيتك الرحمة، وحفتك الملائكة، وذكرك الله فيمن عنده،
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

ابتغوا العزة عند الله عزَّ وجل

ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه

القضية بالعمل لا بالأمل، فأقرب الناس للنبي عليه الصلاة والسلام عمه أبو لهب ..
قال الله تعالى عنه في القرآن الكريم:

(تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2))

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئا، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم

القضية بالعمل .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها

هكذا .

لا أمثل بهم فيمثل الله بي ولو كنت نبياً

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: شرح الحديث الشريف – أحاديث متفرقة – الدرس (010 – 127 ) : من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا ..…
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1990-06-10 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس