معرفة الله من خلال أسماء الله الحسنى

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون، في القرآن الكريم أربع آيات فيها ذكر أسماء الله الحسنى.
في الآية الأولى يقول الله عز وجل:

(قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)

[سورة الإسراء]

وفي الآية الثانية:

(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى)

[سورة طه]

وفي الآية الثالثة:

(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)

[سورة الحشر]

وفي الآية الرابعة:

(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)

[سورة الأعراف]

يا أيها الإخوة الكرام، بادئ ذي بدء، أسماء الله حسنى، و صفاته فضلى، فأيُّ شيء يصل إليكم، ويتضح منه ظلمٌ فهذا شيء مردود، لأن الله سبحانه و تعالى له الأسماء الحسنى.

بعض الظن الذي يتناقض مع أسمائه الحسنى:

1. أن يخلق الله عبدا، وأن يجبره على الكفر، و أن يضعه في جهنم إلى أبد الآبدين، من دون ذنب منه إلا أن الله قدّر عليه الكفر، هذا يتناقض مع أسمائه الحسنى.

جاء سيدَنا عمر رجلٌ شارب خمر، فقال: أقيموا عليه الحد، قال: واللهِ يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحدّ مرتين ؛ مرة لأنه شرب الخمر، و مرة لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار

2. من توهّم أن عبدا مؤمنا يطيع اللهَ طوال حياته، وفي آخر عمره تزل قدمه فيكون من أهل النار من دون ذنب من العبد، ومن دون سبب منه، من يقول بهذا لا يعرف الله عز وجل.
3. ومن ظن أن الله يضع الذين ناصبوه العداء طوال حياتهم في الجنة، و يضع الذين أفنوا حياتهم في طاعة الله في النار فهو لا يعرف الله، لأن هذا يتناقض مع أسماء الله الحسنى.
4. من ظن أن الإنسان يضيع عمله بلا سبب، لأن الله شاء له ذلك، فهو لا يعرف الله، وهذا يتناقض مع أسماء الله الحسنى.

ينبغي أن يكون فهمك عن الله فهماً صحيحاً:

ينبغي أن يكون فهمك عن الله فهما صحيحا، ينبغي أن تنزِّهه عن كل نقص، ينبغي أن تصفه بكل كمال، هذه الآيات الأربع تعطيك توجيها معيّنا، إياك أن تقبل قصة تتهم الله بالظلم، إياك أن تفهم، أو أن تقبل قصة تسيء إلى الذات الإلهية.

ادعو الله باسمه بحسب موطن ضعفك:

ماذا قال العلماء عن هذه الآية الأخيرة؟

(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)

[سورة الأعراف]

أي لك أن تقول يا هادي، يا دليلي اهدِني إلى صراطك المستقيم، أسماء الله كلها حسنى، وكل اسم أنت في أمس الحاجة إليه في موطنه، ففي موطن الضعف تقول له: يا قوي، و في موطن الفقر تقول له: يا رزّاق ارزقني، و في موطن التيه، تقول له: يا هادي اهدني إلى صراطك المستقيم هذا طرف من معنى قوله تعالى:

(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)

أنت في أي ظرف تحتاج إلى نصر، وما النصر إلا من عند الله، تقول: يا قوي انصرني.
تحتاج إلى علم، يجب أن تعلم علم اليقين أن الله وحده هو الذي يتفضل عليك بمعرفته.

لن تستطيع أن تقبل عليه إلا بكمال مشتق من كمالاته:

لبعض العلماء رأي هو: أنه لن تستطيع أن تقبل عليه إلا بكمال مشتق من كماله، إن أردت رحمته فارحم خلقه، إن أردت أن ينصفك من خصمك فكن أنت منصفا، إن أردت أن يتلطف بك، فكن أنت لطيفا بالخلق، إن أردت أن يمنحك من عطائه فكن أنت كريما، لن تستطيع أن تقبل عليه إلا بكمال مشتق من كمالاته،
قال عز وجل:

(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)

اتخذْ من الكمال الذي تتصف به هذه الأسماء وسيلة للإقبال على الله.

معرفة الأسماء الحسنى والصفات الفضلى جزء أساسي من العقيدة:

أيها الإخوة الأكارم، معرفة الأسماء الحسنى والصفات الفضلى جزء أساسي من العقيدة، والعقيدة كما تعلمون أخطر شيء في الدين، لأنه من فسدت عقيدته فسد عمله، ومن فسد عملُه استحق شقاء الدنيا و عذاب الآخرة.
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

يَخْرُجُ فِيكُمْ قَوْمٌ تَحْقِرُونَ صَلاَتَكُمْ مَعَ صَلاَتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلَا يَرَى شَيْئًا وَيَتَمَارَى فِي الْفُوقِ

[رواه البخاري]

هكذا وصفهم النبي عليه الصلاة و السلام، و قد يبالغون في بعض العبادات.

تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ مَعَ صَلَاتِهِمْ وَصِيَامَكُمْ مَعَ صِيَامِهِمْ وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِم

لكن ساءت عقيدتهم، وفسدت عقيدتهم فمرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرميّة.
أيها الإخوة الكرام، الخطأ في العقيدة لا يصحّح، و صاحبه لا يتوب لأنه مستكبر، كما أن الخطأ في الميزان لا يصحح، لو وزنت بميزان فيه خطأ في أصل تركيبه، لو وزنت به مليون وزنة، فكلها خطأ، أما الخطأ في الوزن لا يتكرر، فرق كبير بين الخطأ في الميزان، و بين الخطأ في الوزن، الخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، الخطأ في السلوك سهل أن تتوب منه، أما الخطأ في العقيدة صعب أن تدعه، لذلك احذر ألف مرة مِن أن تعتقد عقيدة ليست صحيحة، و ما من عقيدة غير صحيحة إلا انعكست سلوكا غير سليم، لو أننا سلّمنا جدلاً أنه لا علاقة للعقيدة بالسلوك فاعتقد ما شئت، ولكن لتعلم أنه ما من عقيدة فاسدة أو منحرفة إلا انعكست سلوكا فاسدا منحرفا، لذلك كان أخطر شيء في الدين على الإطلاق هو العقيدة، فقد يمرق الإنسان من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، و يبالغ في بعض العبادات، فقد تحتقر صلاتك أمام صلاتهم، فمروقهم من الدين ناتج عن فساد عقيدتهم، فضلُّوا سواء السبيل.
شيء آخر أيها الإخوة، و هذه من الأحاديث التي ينبغي أن نعيها، إن لم يكن هناك إخلاص لله عز وجل فالعمل محبط، فقد يُؤتى يوم القيامة بأناس لهم أعمال كجبال تهامة، يجعلها الله هباءً منثورا.
قَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ:

لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا

[رواه ابن ماجه]

هم يتقنون أن ينتزعوا إعجاب الآخرين، لكنهم في خلواتهم يعصون الله عز وجل، أما في جلواتهم فهم ورعون مستقيمون متكلمون متفاصحون متفيهقون، هؤلاء لهم أعمال كجبال تهامة يجعلها الله هباء منثورا.
ماذا يتضح من هذين الحديثين الخطيرين اللذين ترتعد لهما المفاصل؟ يتضح أنه:
1. لا بد من أن تصح عقيدتك كي يصحّ عملك.
2. ولا بد من أن تخلص النية لربك.

من هنا سأل أحدهم الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى:
ما العمل المتقبَّل؟ قال: إذا كان خالصا و صوابا، خالصا ما ابتغي به وجه الله، و صوابا ما وافق السنة

لذلك ورد عن ابنَ عمر:

دينَك دِينَك، إنه لحمك و دمك

خذ عن الذين استقاموا ولا تأخذ عن الذين مالوا

استقاموا في عقيدتهم، و استقاموا في سلوكهم، و استقاموا في أحوالهم.
دقِّق أيها الأخ الكريم في قوله تعالى:

(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)

[سورة الكهف]

هذا الإنسان الذي اتبع هواه لا ينبغي أن تسأله، لا ينبغي أن تستنصحه، لا ينبغي أن تركن إليه، لا ينبغي أن تستضيء بناره، لا ينبغي أن تقتديَ به.
قال تعالى:

(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً)

إذًا ينبغي أن تتبع مَن؟

(وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)

[سورة لقمان]

يجب معرفة أسماء الله الحسنى حتى لا يُتخذ من دون الله أولياء:

أيها الإخوة الكرام، لماذا نتحدث عن أسماء الله الحسنى؟ ولماذا ينبغي أن نعرف أسماء الله الحسنى؟ وأن نعرف مدلولاتها وأبعادها، وما تستوجب علينا من سلوك، لأن الإنسان إذا اكتفى – ودققوا فيما أقول – لأن الإنسان إذا اكتفى بأن يقول: الله خالق السماوات والأرض، ولم يشعر بحاجة إلى المزيد عن الله عز وجل، إلى معرفة المزيد عن الله عز وجل، كيف أن الله رحيم، و كيف أن الله حكيم، وكيف أن الله قوي، و كيف أن الله غني، إن لم يشعر بحاجة إلى معرفة المزيد عن أسماء الله و صفاته فمثل هذا الإنسان – قبل أن أتابع – و لم يشعر بحاجة إلى أن ينصاع إلى أمره، و أن يحتكم إلى شرعه – فمثل هذا الإنسان قد يتخذ من دون الله أولياء، ثم يقول:

(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)

[سورة الزمر]

وقال تعالى:

(وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)

[سورة يوسف]

هذا الذي يكتفي أن يؤمن أن الله خلق السماوات والأرض، ولا يشعر بحاجة إلى أن يأتمر بأمره، ولا أن ينتهي عما عنه نهاه، و لا يحتكم إلى شرعه، هذا قد يعيش مشركا، ويتخذ من دون الله أولياء، ثم يقول:

(مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى)

أيها الإخوة الكرام، يعني أنت إن علمت أن الله هو الرزاق، لن تنافق أَحدًا، لن تيأس، لن تستخذي، لن تتطامن، لن تتضعضع أمام غني.

من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه

لو علمت أن الله هو الرزاق و لن ينساك من فضله، و لك عنده رزق.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُمَ

[رواه ابن ماجه]

إن علمت أن الله هو العليم تستحي أن تعصيه، لا تنظر إلى صغر الذنب و لكن انظر على من اجترأت، عليك أن تراقب نفسك مراقبة دقيقة، إن علمت أن الله يعلم فلا بد أن تستقيم.
قال عز وجل:

(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً)

[سورة الطلاق]

أن تعلم أن الله يعلم، فهذا أكبر باعث على طاعته والاستقامة على أمره.
أيها الإخوة الكرام، إن علمت أن الله على كل شيء قدير فلن تضعف أمام مرض عضال، و لا أمام مصيبة كبيرة، فأنت تعرف أن الله على كل شيء قدير.
لعل انعكاس معرفة أسماء الله الحسنى، و صفاته الفضلى في النفس البشرية شيء لا يصدق، إن عرفت أن الأمر بيده وحده، لا تطمع بما عند إنسان، و لا تذمه على ما لم يعط، إن علمت أن الله وحده هو المتصرف لا ترجو سواه، لا تعقد الأمل على غيره، لا تتكل على غيره، لا تتأمل بغيره، معرفة أسماء الله الحسنى و صفاته الفضلى لها انعكاس لا يُصدق على سلوك الإنسان، ما من خلل في السلوك إلا بسبب ضعف في معرفة كمالات الله عز وجل.

يجب فهم أسماء الله الحسنى وفق قواعد صحيحة:

أيها الإخوة الكرام، يمكن أن تقرأ موضوعا عن أسماء الله الحسنى من خلال كلام المتكلمين و عقائد الأقدمين وهذا لا يكفي، و لكن ينبغي أن تفهم أسماء الله الحسنى من خلال القرآن الكريم، ومن خلال سنة النبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم، و من خلال الوقائع و أفعال الله.
قال تعالى:

(فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)

[سورة النحل]

ينبغي أن تفهم أسماء الله الحسنى فهمًا وفق أصول الشريعة، وفق الكتاب و السنة، وفق أفعال الله، وفق ما تمليه عليك الوقائع التي نراها كل يوم، و التي كلها تؤكد أن الله موجود وواحد و كامل.
أيها الإخوة الكرام،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لِلَّهِ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا لَا يَحْفَظُهَا أَحَدٌ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَهُوَ وَتْرٌ يُحِبُّ الْوَتْرَ

[رواه البخاري]

وقَالَ أيضاً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا كُلَّهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ

[رواه أحمد]

وبعد،

فمستحيل وألفِ ألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، ومستحيل و ألف ألف ألف مستحيل أن تحبه و لا تطيعه

العقبة أن تعرفه،

فإن عرفته عرفت كل شيء، و إن فاتكَ فاتك كل شيء

أيها الإخوة الكرام، هذا القول يذكِّرنا بقول بعض العلماء:

من أعجب الأشياء أن تعرفه ثم لا تحبه، و أن تسمع داعيه ثم تتأخّر عن الإجابة، و أن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعامل غيره، و أن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له، و أن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأُنس بطاعته، و أن تذوق عصرةَ القلب عند الخوض في حديث غير الحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره و مناجاته، و أن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره و لا تهرب منه لنعيم الإقبال عليه و الإنابة إليه، و أعجب من هذا علمُك أنه لا بد لك منه، و أنك أحوجُ شيء إليه و أنت عنه معرض، و فيما يبعدك عنه راغب

هذا من أعجب الأشياء.

معاني ” مَنْ أَحْصَاهَا ” دخل الجنة:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا كُلَّهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ

أيها الإخوة الكرام، من أحصاها دخل الجنة، ما معنى “من أحصاها”؟
قال تعالى:

(لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً)

[سورة مريم]

اختلاف بُنْيَة الكلمة يلزم اختلاف المعنى، أحصاهم و عدّهم، قد تعدّ طلابك الخمسين، تقول: عندي خمسون طالبا، أما إن عرفت كل طالب على حدة، ما وضعه النفسي، و العلمي والاجتماعي والديني، وكذلك وضع أهله، وضع والده، وضع والدته، كم من أخٍ له أكبر منه، وكذلك كم هم مَن أصغر منه، مستوى ذكائه، مستوى تحصيله، هذا هو الإحصاء:

(لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً)

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا كُلَّهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ

[رواه أحمد]

نقف وقفة متأنية عند إحصاء هذه الأسماء،

المعنى الأول: “أحصاها” فقد استوفاها:

قال بعض العلماء: من أحصاها فقد استوفاها، يريد ألاّ يقتصر على بعضها، و لكن يدعو الله بها كلها، و يثني عليه بجميعها، لا تختر من هذه الأسماء بعضها فقط، فأسماؤه كلها حسنى، حتى إذا توهّمت بنقص علمك أن الله منتقم، ما معنى منتقم؟ هو الذي يوقف الظالم عند حدِّه، ينتقم منه رادعا له، رحمة بالآخرين، يجب أن توقن يقينا قطعيا أن أسماء الله كلها حسنى، و أن صفاته كلها فضلى، هذا المعنى الأول،

المعنى الثاني: “أحصاها” يعقل معانيها، فيلزم نفسه بواجباتها:

وقال بعضهم: من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعلم بمقتضاها، وهو أن يعقل معانيها، فيلزم نفسه بواجباتها، اشتمل أو خضع أو غُطِّي بهذا الحديث، ” من أحصاها ” من أطاق القيام بحق هذه الأسماء، ومن عمل بمقتضاها، وهو أن يعقل معانيها، وأن يلزم نفسه بواجباتها فقد أحصاها،

المعنى الثالث: “أحصاها” الإحاطة بمعانيها:

المراد بالإحصاء أيضا الإحاطة بمعانيها، فمن قول العرب: فلان ذو حصاة، أي ذو عقل و معرفة، و قال بعض المفسرين: المرجو من كرم الله تعالى أنه: مَن حصل له إحصاء هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صحة النية فله أن يدخله الله الجنة، و هذه المراتب الثلاث ؛ مراتب السابقين و مراتب أصحاب اليمين و مراتب الصدِّيقين.

المعنى الرابع: “أحصاها” عرفها:

ومن معاني ” أحصاها ” أي عرفها، لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمنا، يعني في قوله تعالى:

(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ)

[سورة الكهف]

ورد في بعض التفاسير أن الباقيات الصالحات سبحان الله و الحمد لله ولا إله إلا الله و الله أكبر، يعني إذا سبحته وحمدته و كبّرته ووحّدته فقد عرفته، و إن عرفته فأنت مؤمن، وإن كنت مؤمنا لا بد من أن ينعكس إيمانك استقامة و عملا صالحا، إذًا هي الباقيات، وما سوى هذه فهي الفانيات.
قيل:” أحصاها ” عرفها، لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمنا،

المعنى الخامس: ” أحصاها ” يريد بها وجه الله وإعظامه،

فإذا قال: “الحكيم ” سلَّم بأن كل ما يقع في الكون حكمة مطلقة، إذا أراد الله شيئا وقع، و إذا وقع الشيءُ أراده الله، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، و حكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، بل إن المؤمن يعتقد ؛ إذا قال اسم الحكيم أن لكل واقع حكمة و لو كان الموقع مجرما، ولو كان الموقع فاسدا، و لو كان الموقع مخطئا، ما دام الله قد سمح له أن يقع إذًا هو حكمة بالغة.
أيها الإخوة الكرام، مَنْ قَال: “القدُّوس” يجب أن ينزِّه الله عن كل نقص، عن كل شيء يشير إلى النقص، يقول: سبوح قدُّوس، ربُّ الملائكة و الروح.

المعنى السادس: “أحصاها” سلك طريق العمل بها:

ويقول بعض العلماء: ” أحصاها ” أي سلك طريق العمل بها، فعلى العبد أن يسعى كي يتّصف بهذه الكمالات التي هي منهجه و طريقه إلى الله،:

(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا)

[سورة الأعراف]

أي تخلّق بهذه الكمالات التي تشف عن أسماء الله الحسنى كي تكون وسيلة لك في الإقبال على الله والدعاء له.
ثم إن بعض العلماء فصّل في ذلك، قال:

1.أسماء يمكن للعبد أن يتخلق بكمالاتها:

أولاً: الأسماء التي يتصف الله بها، و يمكن لعبد أن يشتق كمالها من الله، تقول: الله رحيم، و بإمكان المؤمن أن يرحم من حوله، فهذه ينبغي أن يتخلق بكمالاتها.

2.أسماء مختصه بالله:

ثانياً: وما كان مختصًّا بالله تعالى كالجبّار والعظيم فيجب على العبد أن يقرَّ بها و يخضع لها و ألاّ يتحلّى بها.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:

الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ

[رواه أبو داود]

وما كان فيه معنى الوعد يقف من هذا الوعد راجيا رحمة الله، و ما كان فيه معنى الوعيد يقف منه العبدُ وهو يخشى عذاب الله.

الدعاء بأسماء الله الحسنى:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ وَابْنُ عَبْدِكَ وَابْنُ أَمَتِكَ نَاصِيَتِي بِيَدِكَ مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجِلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمِّي إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ وَحُزْنَهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَجًا قَالَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَعَلَّمُهَا فَقَالَ بَلَى يَنْبَغِي لِمَنْ سَمِعَهَا أَنْ يَتَعَلَّمَهَا

[رواه أحمد]

وهذا الحديث يبيِّن أن أسماء الله الحسنى أكثر من تسعة وتسعين اسما، من أحصى هذه الأسماء دخل الجنة، و لكن الأسماء التي تُستنبط من هذا الحديث كثيرة جدا، و قد ورد عن بعض الصحابة أن النبي عليه الصلاة و السلام كان يدعو و يقول: وأسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها و ما لم أعلم، و أن السيدة عائشة دعت بهذا الدعاء فأقرّها عليه.

الخلاصة:

أنه لا ينبغي أن تكتفي بأنْ تعرف أنّ الله خلق السماوات والأرض، بل ينبغي أن تطلب المزيد من معرفته فتبحث في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى، و انعكاس معرفة أسمائه الحسنى و صفاته الفضلى على سلوك المؤمن واضح وجليٌّ و صارخ، إن كل اسم تستوعبه و تستوعب مدلوله، و تعمل بمقتضاه ينقذك من مرض نفسي، ينقذك من أن تنافق، من أن تيأس، من أن تخاف، من أن تستخذي، ولا بد من أن تكون منعكسات هذه الأسماء الحسنى و الصفات الفضلى على السلوك منقطعة النظير.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: خطبة الجمعة – الخطبة 0756 : خ1 – معرفة الله من خلال أسمائه الحسنى ، خ2 – ولا تقف ما ليس لك به علم .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-08-11 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس