الإسلام والإختلاط

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الأخوة الكرام،
قال الله تعالى:

(أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه)

[سورة البقرة الآية : 140]

الله عز وجل هو الخبير، هو العليم، هو الذي خلقنا، هو الذي أعطانا هذه الحاجات،
وقال تعالى أيضاً:

(وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ)

[سورة فاطر الآية : 14]

وقال تعالى:

(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)

[سورة الملك الآية : 14]

المنع في الشريعة لسبب يُثبته الواقع:

هناك كلمات يقولها العوام وبعض المثقفين، المرأة نصف المجتمع، صحيح، وأنا أقول: بل هي المجتمع، لأنك إن علمت فتاة علمت أسرة، إن علمت شاباً علمت واحداً، بل هي المجتمع، ولكن هناك ضوابط، ذلك أن الله سبحان وتعالى أودع في الرجل حبّ المرأة، وأودع في المرأة حبّ الرجل، هذا الحب واسع، بالمقياس الهندسي مئة وثمانون درجة، لكن هذه الشريعة الغراء سمحت لك أيها المسلم في كل شهوة أودعها الله فيك، سمحت لك بحيز مباح، المرأة تعني عند المسلم الزوجة، أو الأخت، أو البنت، أو الأم، أو العمة، أو الخالة، أو الجدة لأب، أوالجدة لأم، أو بنت الابن، أو بنت البنت، هؤلاء المحارم لك أن تلتقي بهم في بثياب غير مبتذلة، ساترة، فضفاضة، لكن حينما صار التعري ضمن البيت وتجاوز التعري الحدود التي سمح الشرع بها، نشأت مشكلة كبيرة جداً، بل ومنتشرة في العالم كله، هذه المشكلة اسمها زنا المحارم، سببها عدم تقيد أفراد الأسرة بالحدود الشرعية للثياب داخل البيت.

الشهوة في الإنسان هي سلماً للرقي أو دركات نهوي بها :

فكرة أرددها كثيراً، أية شهوة أودعها الله في الإنسان، ربما تكون سلماً نرقى بها إلى أعلى عليين، أو تكون دركات نهوي بها إلى أسفل سافلين.
إنسان تزوج امرأة مؤمنة، طاهرة، عفيفة، أنجب منها أولاداً وبنات، زوج الأولاد والبنات صار هناك هرم؛ أب وأم، وأولاد وبنات، وكنائن وأصهار، ثم الأحفاد، هذا الهرم المبارك سببه بيولوجي، علاقة جنسية، وفي أي بيت دعارة هناك علاقة جنسية، ترقى بهذه العلاقة إلى أعلى عليين وتهوي بها إلى أسفل سافلين.

الإيمان مرتبة علمية وأخلاقية وجمالية تحجبك عن الذلل وعن الفضائح :

أيها الأخوة، فضائح أهل الأرض من قديم الزمان إلى الآن لا تزيد عن نوعين من الفضائح؛ فضائح أخلاقية، وفضائح مالية، والشرع الحكيم حصن المسلم من أن تزل قدمه مالياً، أو أن تزل قدمه أخلاقياً،
لذلك يتمتع المؤمن بسمعة طيبة، يمشي رافع الرأس لا يخشى في الله لومة لائم، المؤمن مرتبة عالية جداً، مرتبة أخلاقية، منضبط بالكتاب والسنة، مرتبة علمية، تعرف إلى الحقيقة الأولى في الكون، تعرف إلى الله، وتعرف إلى منهجه التفصيلي،
والمؤمن يعني مرتبة جمالية له أذواق في حياته تفوق كل ذوق، يذهب الناس إلى النزهات، مكان عام، صياح، ضجيج، لعب نرد، نساء كاسيات عاريات، كل واحد ينظر إلى امرأة لا تحل له، يعودون إلى البيت ويتعاتبون وقد يتشاددون وقد يتساببون، لماذا نظرت إليها كل هذه النظرات؟ لماذا لاطفتها كثيراً؟ أما المؤمن له طريقة خاصة في النزهة، يعيش مع أهله، مع أولاده،
الإيمان مرتبة علمية، ومرتبة أخلاقية، ومرتبة جمالية، أساس التشريع ضبط العلاقة بين الذكر والأنثى، وضبط العلاقة مع المال، أكبر شيئين بالفقه العلاقات النسائية، والعلاقات المالية، فإذا ضبطت هذه العلاقات النسائية والعلاقات المالية كنت في حصن حصين، تمشي رافع الرأس، لا تخاف في الله لومة لائم.
للتقريب شاب تزوج ثم دخل بزوجته، وحملت، فأنبأت أمها، ثم شاع الخبر في الأسرتين، أسرة الزوج وأسرة الزوجة، فهللوا، وفرحوا، وهنؤوا، وعند وضع الغلام جاءت التبريكات، والتهنئات، والسلامات، والهدايا،
وحدثني أخ قال: طُرق بابي الساعة الرابعة صباحاً، فتحت الباب فلم أجد أحداً، حالت مني التفاتة إلى الأسفل فإذا محفظة تتحرك، فيها غلام ولد الآن، ولد وضع أمام بيت، قرع الجرس، وفرّ واضع المحفظة، هذا الحرام،
بالحلال هناك تهنئة و تبريك وفرح، هذا ابن فلان وابن فلانة،
اعلم هذه الحقيقة، ما من شهوة أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناة نظيفة تسري خلالها،
أنا أخاطب الشباب، أيها الشاب! لا تتوهم أن في الإسلام حرماناً أبداً، ما من شهوة أودعها الله فيك إلا وجعل لها قناة نظيفة رائعة تسري خلالها، لذلك مسموح لك أن تتبع الهوى بنص القرآن الكريم، قال تعالى :

(وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ)

[سورة القصص الآية : 50]

هناك معنى في علم الأصول يدعى المعنى المعاكس، المعنى الخلافي، أي الذي يتبع هواه وفق هدى الله لا شيء عليه، بالعكس، يبارك الله الزواج، بارك الله لكما وعليكما وفيكما.

ثقافة إبراز المفاتن:

أيها الأخوة، طبيعة المرأة أنها جبلت على حبّ التزين، وهذا مباح لها لمحارمها بنوع من الزينة، ولزوجها بنوع آخر من الزينة، ما سوى ذلك فهذا ليس مباح لها، ماذا فعلت الثقافة المستحدثه؟ أباحت للمرأة لا أن تبرز بعض مفاتنها، أن تبرز كل مفاتنها لمن يمشي في الطريق، كانت أختاً لك حينما سترت مفاتنها، فأصبحت أنثى، سلعة يشتهيها كل من رآها، بين أن يكون الإنسان شيئاً ثميناً، بين أن تكون المرأة أختاً كريمة وبين أن تكون سلعة رخيصة،
حينما تتعرى صدقوا ولا أبالغ هناك مصطلح خطر في بالي هذا المصطلح هو التحرش، كيف يتحرش الرجل بالمرأة؟ يسمعها كلاماً معسولاً وقد يمد يده إليها، هذا التحرش، لكن الأخطر من هذا كيف تتحرش المرأة بالرجل؟ حينما تكشف عن مفاتنها هذا اسمه تحرش أيضاً، فلذلك حدثني أخ كريم أنا ما رأيت هذا، رأى في فضائية شاباً في بلد عربي في شمال إفريقيا اغتصب عشر فتيات وقتلهنّ، باحثة اجتماعية أخذت أذناً من وزير الداخلية أن تقابله على فضائية، فسمح لها بذلك، الأخ الكريم حدثني أعتقد بقناة اقرأ، قالت له ما اسمك؟ أعطاها اسمه، هل أنت مسلم؟ قال: نعم، تصلي؟ لا، تحفظ الفاتحة؟ لا ، أي أجهل الجهلاء، لماذا فعلت هذا؟ قال كلمة لو كان عالم نفس لا يقولها، قال: من ثيابهن، قالت: فإذا رأيت فتاةً محجبة؟ قال: إنها أختي والذي يقول لها كلمة أقتله، هذا جاهل ليس معه شهادة، ولا دراسة ،ولا ابتدائية، ولا يقرأ إطلاقاً، من ثيابهن.

انتشار الفواحش بسبب الاختلاط :

لذلك أيها الأخوة، صدقوا ولا أبالغ تسعون بالمئة من الفواحش بدأت بالاختلاط، خيانة زوجية مع من؟ مع صديق الزوج، كيف تعرف عليها؟ بطعام مشترك، بنزهة مشتركة، ما من مشكلة ترفع إليّ حول الخيانة الزوجية إلا أسأل مع من وكيف تعرف إليها؟ النتيجة اختلاط، الله عز وجل هو العليم، هو الخبير، هو الحكيم.
القصص التي تروى من خلال التعرف على الفتيات بالانترنيت، بالشات، وهذا التعرف ينتهي بالفاحشة، ثم بالتصوير، ثم بالابتزاز، ثم بالمتاجرة بالفتاة، لا تعد ولا تحصى، تبدأ من علاقة آثمة بين فتاة وفتى.
لذلك القناة النظيفة الوحيدة في الإسلام هي قناة الزواج،
قال النبي عليه الصلاة والسلام:

لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلَا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَخَرَجَتْ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ

[متفق عليه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]

أي فَضّل النبي لهذا الصحابي أن يحج مع امرأته وأن يدع الجهاد في سبيل الله، مع أن الجهاد ذروة سنام الإسلام.
أيها الأخوة، هناك ملمح بالحديث دقيق جداً، ما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ما خلا كافر بامرأة، ما قال: ما خلا فاسق بامرأة، قال: ما خلا رجل، المؤمن رجل، والكافر رجل، والفاسق رجل، والمنافق رجل، الحديث بنصه الدقيق:

أَلَا لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ

[سنن الترمذي عن ابن عمر]

في عمر الدعوة المتواضع خمس وثلاثون سنة، والله عندي آلاف القصص عن الخيانة الزوجية، بدأت بالاختلاط فقط وانتهت بالخيانة الزوجية،
أساساً لسيدنا سعد بن أبي وقاص كلمة رائعة قال:

ثلاثة أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك أنا واحد من الناس ـ (من هذه الثلاثة) ـ ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاعلمت أنه حقّ من الله تعالى

الابتعاد عن أسباب الخطيئة :

وفي آية دقيقة:

(تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا)

[سورة البقرة الآية : 187]

والآية الدقيقة أيضاً:

(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى)

[سورة الإسراء الآية : 32]

ليس هناك في القرآن الكريم نهي عن الزنا، هناك نهي عن أن تقرب الزنا، فالخلوة تقرب من الزنا، صحبة الأراذل تقرب من الزنا، إطلاق البصر يقرب من الزنا، تكشف المرأة يقرب من الزنا، هذه كلها مقدمات،
وضع الشهوة كهذا المثل، صخرة مستقرة في قمة الجبل، وإلى أسفل هذا الجبل واد سحيق، أنت إذا دفعت هذه الصخرة من قمة الجبل إلى عشرة أمتار في المنحدر، لن تقف إلا في قعر الوادي، فهذه الشهوة حينما تستثار لا تنتهي إلا بالفاحشة، أساسها لقاء، أساسها ابتسامة، أساسها تعرٍ قليل، بدأت من هنا وانتهت بالفاحشة، لو أن هناك عالم اجتماع يدرس تفاصيل الخيانة الزوجية أو حالات الزنا، يجدها على هذا النمط، قال تعالى:

(وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى)

[سورة الإسراء الآية : 32]

قال السيد المسيح:

الشريف من يهرب من أسباب الخطيئة

والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:

إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْو قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ

[متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ]

لأن أخ الزوج يحدث زوجة أخيه، يبتسم لها أحياناً، يروي لها طرفة تظنه كأخيها، وهو ليس كذلك، أيها الأخوة، معنى الحمو بالضبط أخو الزوج وأقاربه،
لذلك أنا أقول لكم: في الأعمِّ الأغلب معظم المسلمين لم يقتلوا، ولم يزنوا، ولم يشربوا الخمر، المعظم، لكن معظم المسلمين يقعون في مخالفات، يتوهمونها صغائر وهي عند الله كبائر، بيوتات الشام أكثر الولائم مختلطة، الأصهار والكنائن مع بعضهم، هذا الصهر الأول ألم يرَ زوجة عديله؟ والله أجمل، لماذا أخفوها عني؟ هذه مشكلة كبيرة، أي كل إنسان يتمنى الأكمل، فإذا وجد أنه الأقل وليس الأكمل هذه مشكلة، لذلك

لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي

اجعل طعامك وفق السنة، وفق منهج الله عز وجل، وأنا فيما أتوهم أن بيوتاً قليلةً جداً ليس فيها اختلاط من بيوتات المسلمين.

الشروط الواجب اتباعها عند التقاء الرجال مع النساء :

1. على المرأة أن تكون بالثياب الشرعية و الحشمة الكاملة :

أيها الأخوة، لا شك أن كيد الشيطان كيد ضعيف، وأن كيد النساء كيد كبير:

(إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ)

[سورة يوسف الآية : 28]

لا يوجد شهوة متعلقة مع الشيطان، تفسير الفرق بين الآيتين، ليس هناك شهوة متعلقة مع الشيطان، لكن هناك شهوة متعلقة مع المرأة، لكن كحكم شرعي قد يلتقي الرجال مع النساء بالثياب الشرعية الكاملة، والحشمة الكاملة، والكلام الجدي، لا يوجد تميع، ولا شيء من هذا القبيل، ولأمر ضروري.

2. عدم توسع المرأة في الخروج من بيتها :

الشيء الثاني: عدم توسع المرأة في الخروج من بيتها:

(وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ (33))

[سورة الأحزاب الآية : 33]

أي ليكن البيت هو المكان الأول في إقامتها، وإذا خرجتن:

(وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى)

[سورة الأحزاب الآية : 33]

أما الرجال:

(قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)

[ سورة النور الآية : 30]

3. التزام المرأة بالحجاب الشرعي :

ثم التزام المرأة بالحجاب الشرعي، والثياب المحتشمة، بمعنى أن أي ثياب تبرز خطوط جسم المرأة فهي ثياب غير شرعية، أي ثياب تبرز لون البشرة فهي ثياب غير شرعية، أي ثوب المرأة ينبغي ألا يكون شافاً، ولا شفافاً، ولا ضيقاً، ثوب سابل، سميك.

4. الالتزام بآداب الإسلام في الكلام الجاد :

شيء آخر الالتزام بآداب الإسلام في الكلام الجاد:

(وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)

[سورة الأحزاب الآية : 32]

أما أثناء البيع والشراء راعينا، نحن جيرانك، قلبك قاس علينا:

(فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا)

[سورة الأحزاب الآية : 32]

هذا مهمة الأزواج، فإذا اشترت المرأة حاجةً ينبغي أن تقول قولاً معروفاً لا يسبب أي طمع فيها، من هذه الآداب، تجنب الزينة، الزي الشرعي، غض البصر، وألا يكون هناك اختلاط بين الشباب والشابات في أي مكان في حياتهم.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: خطبة الجمعة – الخطبة 1148 : خ1 – تحريم الاختلاط والخلوة ، خ 2 – حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-04-16 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس