انبساط الرسول صلى الله عليه وسلم مع أهل بيته ومن يخدمه

بسم الله الرحمن الرحيم

خلقه مع أهل بيته

كريم العشرة بساماً ضحاكاً :

قال سعدٍ بن أبي وقاصٍ رضي الله عنه:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله ، يلاطفهنّ ويمازحهنّ ، ويعاملهنّ بالود والإحسان

الإنسان العظيم خارج بيته عظيم ، أما في بيته فواحد من أهل بيته ، كان إذا دخل بيته بساماً ضحاكاً، فإذا كان الإنسان روحُه مرِحة مع أهل بيته ، ومع أولاده ، فهذه علامة نجاحه في زواجه ، أهلك أقرب الناس إليك، ما الذي يمنعك أن تكون مرحًا معهم ؟ اسمع من طُرفهم في مدرستهم ، أنت حِّدثهم عن طرفًة لطيفة ، كن لطيفًا ، داعبهم ، لاعبهم ، تكلم معهم كلامًا طيبًا ، كان عليه الصلاة والسلام كريم العشرة مع زوجاته وسائر أهله ، يلاطفهن ويمازحهن ، ويعاملهن بالود والإحسان .

خيركم خيركم لأهله:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

إِنَّ مِنْ أَكْمَلِ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَأَلْطَفُهُمْ بِأَهْلِهِ

[رواه الترمذي]

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

خيركم خَيركم للنساء

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا

[رواه الترمذي]

يبدو من خلال هذه الأحاديث التي تؤكِّد أن علامةَ الخُلق الحسن الخلُقُ الحسن في البيت ، والسبب أن الإنسان خارج البيت مراقَب ، من زملائه ، ممن دونه ، من مرؤوسيه ، من عامة الناس ، والإنسان بحكم فطرته حريص على سمعته ، فحرصه على سمعته ، وعلى انتزاع تقدير الآخرين يدفعه لملاحظة نفسه و سلوكه ، وإن الإنسان بحاجةٍ ماسة إلى التقدير ، بأنْ يقدِّره الآخرون ، هذه حاجة اجتماعية عند الإنسان . فلهذه الحاجة الاجتماعية ، ولتقدير الآخرين تجده خارج البيت لطيفًا ، فيعتذر إنْ أخطأ ، يحاول أنْ يعمل عملاً جيدًا ، لكن أين المكان الذي ليس فيه رقابة ؟ البيت ، ففي البيت لا رقيبَ إلا الله عزَّ وجل ، لذلك
قال عليه الصلاة والسلامِ :

خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي وَإِذَا مَاتَ صَاحِبُكُمْ فَدَعُوهُ

[من سنن الترمذي : عن عائشة]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا

[الترمذي]

واللهِ ؛ الذي أرجوه لكم أن تكون بيوتكم جنة ، يكون بيته صغيرًا لكنه جنة ، الأكل خشن لكنه في الجنة ، ليس هناك فخامة لكن يشعر أنّه في الجنة ، فالجنة لا تأتي من الأثاث الفخم، ولا من الأقواس ، ولا من الثريات ، ولا من البراد المليء بالحاجات ، لا ، فالجنة مودة بينك وبين زوجتك ، مودة ، حب ، رحمة، احترام متبادل ، مشاعر مشتركة ، هذه هي الجنة ، فمِنَ الممكن أن يكون لك بيت متواضع ، صغير ، أثاثه بسيط ، والأكل خشن ، ولكن المودة موجودة بين الزوجين ،
والله عزَّ وجل يقول :

(وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)

[سورة الروم : من آية 21]

هذا تصميم الله عزَّ وجل ، هذا المخطط الإلهي ، هذا الأصل في الزواج المودة والرحمة، فأعجز إنسان من عجز أن يكون سعيداً في بيته ، هناك ظروف صعبة خارج البيت ، هناك قُوى لا تملكها ، قد تكون موظفًا ، ولك رئيس صعب في الوظيفة ، إنْ أحسنتَ لم يقبل ، وإن أسأتَ لم يغفر ، إن رأى خيراً كتَمَه ، وإن رأى شراً أذاعه ، سيئ ، أما بيتك فهو مملكتك ، فالإنسان إذا لم يكن مرتاحاً خارج البيت فلا أقلَّ من أن يكون داخل البيت مرتاحًا ، لأنه لو توافرت السعادة داخل البيت ، لامتصَّتْ كلَّ المتاعب خارجه، أما في الداخل فجحيم ، وفي الخارج جحيم ، والله إنها لحياةٌ لا تطاق ، أنا أدعو إخواننا الكرام بقدر الإمكان، وبحسب السُّنة أنْ يجعل بيته جنة ، بالتسامح مرة ، وبالعطف مرة ، وبالنصيحة مرة ، وبالخدمة مرة .

يُمازح اهل بيته:

عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ؟ قالت :

كان ألين الناس بساماً ضحاكاً لم يُر ماداً رجليه بين أصحابه وذلك لعظيم أدبه وكمال وقاره

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :

خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ وَأَنَا جَارِيَةٌ – أي صغيرة – لَمْ أَحْمِلْ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ – فالمعنى أي أنها كانت جلد وعظم – فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ لِي تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ فَسَكَتَ عَنِّي حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ ـ سمنت قليلاً -وَبَدُنْتُ وَنَسِيتُ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ فَقَالَ لِلنَّاسِ تَقَدَّمُوا فَتَقَدَّمُوا ثُمَّ قَالَ تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي فَجَعَلَ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ هَذِهِ بِتِلْكَ * أي تعادلا

[رواه أحمد]

هذه لها معنى كبير ، نزل إلى مستواها وكانت جارية ، هذا النبي العظيم ، سيد الخلق ، حبيب الحق ، جاءه القرآن ، حمل عبء الرسالة ، فلا أحدَ أعظم منه في العالَم ، أعظم شخص أنيطت به أكبر رسالة ، ومع ذلك عنده زوجة صغيرة ، قال : تعالَيْ أسابقك ، فما الذي يمنعك أنْ تكون مرحًا في البيت ، لطيفًا ، صاحبَ دعابة ، صاحبَ نكتة ، بسَّامًا ، ضحَّاكًا ، تتساهل ؟ هذا ممَّا يجعلك أسعد الناس ، وهكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام .

يُساعد أهل بيته :

وكان عليه الصلاة والسلام يعين أهله في الأمور البيتية ، وهذه أيضاً نحن مقصرون فيها، كان يعين أهله في الأمور البيتية ، لكنْ بعض الناس يرى إذا أراد أنْ يحقِّق رجولته فيجب ألاّ يتحرك أيَّة حركة في البيت ، بينما النبي على عظمته كان يعين أهله في الأمور بيته .
عَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ :

مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ

وفي هذا تنبيه للأمة أن يسيروا على هذا الكمال ، ولا يكونوا من جبابرة الرجال ، خاصةً مع الأهل والعيال .

حسنُ إصغائه لأهل بيته:

عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ :

جَلَسَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً فَتَعَاهَدْنَ وَتَعَاقَدْنَ أَنْ لَا يَكْتُمْنَ مِنْ أَخْبَارِ أَزْوَاجِهِنَّ شَيْئًا قَالَتْ الْأُولَى زَوْجِي لَحْمُ جَمَلٍ غَثٍّ عَلَى رَأْسِ جَبَلٍ لَا سَهْلٍ فَيُرْتَقَى وَلَا سَمِينٍ فَيُنْتَقَلُ قَالَتْ الثَّانِيَةُ زَوْجِي لَا أَبُثُّ خَبَرَهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا أَذَرَهُ – أنْ أفقِده – إِنْ أَذْكُرْهُ أَذْكُرْ عُجَرَهُ وَبُجَرَهُ – أيْ عيوبه الظاهرة والباطنة – قَالَتْ الثَّالِثَةُ زَوْجِي الْعَشَنَّقُ إِنْ أَنْطِقْ أُطَلَّقْ وَإِنْ أَسْكُتْ أُعَلَّقْ قَالَتْ الرَّابِعَةُ زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ – أي مكة – لَا حَرٌّ وَلَا قُرٌّ وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ قَالَتْ الْخَامِسَةُ زَوْجِي إِنْ دَخَلَ فَهِدَ وَإِنْ خَرَجَ أَسِدَ وَلَا يَسْأَلُ عَمَّا عَهِدَ قَالَتْ السَّادِسَةُ زَوْجِي إِنْ أَكَلَ لَفَّ وَإِنْ شَرِبَ اشْتَفَّ وَإِنْ اضْطَجَعَ الْتَفَّ وَلَا يُولِجُ الْكَفَّ لِيَعْلَمَ الْبَثَّ قَالَتْ السَّابِعَةُ زَوْجِي غَيَايَاءُ أَوْ عَيَايَاءُ طَبَاقَاءُ كُلُّ دَاءٍ لَهُ دَاءٌ شَجَّكِ أَوْ فَلَّكِ أَوْ جَمَعَ كُلًّا لَكِ قَالَتْ الثَّامِنَةُ زَوْجِي الْمَسُّ مَسُّ أَرْنَبٍ وَالرِّيحُ رِيحُ زَرْنَبٍ قَالَتْ التَّاسِعَةُ زَوْجِي رَفِيعُ الْعِمَادِ طَوِيلُ النِّجَادِ عَظِيمُ الرَّمَادِ قَرِيبُ الْبَيْتِ مِنْ النَّادِ قَالَتْ الْعَاشِرَةُ زَوْجِي مَالِكٌ وَمَا مَالِكٌ مَالِكٌ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكِ لَهُ إِبِلٌ كَثِيرَاتُ الْمَبَارِكِ قَلِيلَاتُ الْمَسَارِحِ وَإِذَا سَمِعْنَ صَوْتَ الْمِزْهَرِ أَيْقَنَّ أَنَّهُنَّ هَوَالِكُ قَالَتْ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ زَوْجِي أَبُو زَرْعٍ وَمَا أَبُو زَرْعٍ أَنَاسَ مِنْ حُلِيٍّ أُذُنَيَّ وَمَلَأَ مِنْ شَحْمٍ عَضُدَيَّ وَبَجَّحَنِي فَبَجِحَتْ إِلَيَّ نَفْسِي وَجَدَنِي فِي أَهْلِ غُنَيْمَةٍ بِشِقٍّ فَجَعَلَنِي فِي أَهْلِ صَهِيلٍ وَأَطِيطٍ وَدَائِسٍ وَمُنَقٍّ فَعِنْدَهُ أَقُولُ فَلَا أُقَبَّحُ وَأَرْقُدُ فَأَتَصَبَّحُ وَأَشْرَبُ فَأَتَقَنَّحُ أُمُّ أَبِي زَرْعٍ فَمَا أُمُّ أَبِي زَرْعٍ عُكُومُهَا رَدَاحٌ وَبَيْتُهَا فَسَاحٌ ابْنُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا ابْنُ أَبِي زَرْعٍ مَضْجَعُهُ كَمَسَلِّ شَطْبَةٍ وَيُشْبِعُهُ ذِرَاعُ الْجَفْرَةِ بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا بِنْتُ أَبِي زَرْعٍ طَوْعُ أَبِيهَا وَطَوْعُ أُمِّهَا وَمِلْءُ كِسَائِهَا وَغَيْظُ جَارَتِهَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ فَمَا جَارِيَةُ أَبِي زَرْعٍ لَا تَبُثُّ حَدِيثَنَا تَبْثِيثًا وَلَا تُنَقِّثُ مِيرَتَنَا تَنْقِيثًا وَلَا تَمْلَأُ بَيْتَنَا تَعْشِيشًا قَالَتْ خَرَجَ أَبُو زَرْعٍ وَالْأَوْطَابُ تُمْخَضُ فَلَقِيَ امْرَأَةً مَعَهَا وَلَدَانِ لَهَا كَالْفَهْدَيْنِ يَلْعَبَانِ مِنْ تَحْتِ خَصْرِهَا بِرُمَّانَتَيْنِ فَطَلَّقَنِي وَنَكَحَهَا فَنَكَحْتُ بَعْدَهُ رَجُلًا سَرِيًّا رَكِبَ شَرِيًّا وَأَخَذَ خَطِّيًّا وَأَرَاحَ عَلَيَّ نَعَمًا ثَرِيًّا وَأَعْطَانِي مِنْ كُلِّ رَائِحَةٍ زَوْجًا وَقَالَ كُلِي أُمَّ زَرْعٍ وَمِيرِي أَهْلَكِ قَالَتْ فَلَوْ جَمَعْتُ كُلَّ شَيْءٍ أَعْطَانِيهِ مَا بَلَغَ أَصْغَرَ آنِيَةِ أَبِي زَرْعٍ قَالَتْ عَائِشَةُ

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ

فقلت بل أنت خيرٌ من أبي زرع

الذي يعنينا أن النبي صلى الله عليه وسلَّم على علو مقامه ، وعلى رفعة شأنه ، وعلى أنه مشغولٌ بعظائم الأمور ، وعلى أنه يحمل أكبر رسالةٍ على الإطلاق ، ومع أن شغله الشاغل نشر الحق في الأرض ، كل هذه المهام الصعبة التي يتحمَّلها ، وكل هذه الهموم الكبيرة التي تملأ قلبه ، وكل هذه الأهداف البعيدة التي يسعى إليها ، وكل هذه الرحمة التي في قلبه على البشر ، كل هذا لم يمنعه أن يصغي إلى السيدة عائشة وهي تحدِّثه عن قصةٍ سمعتها تتعلَّق بالحياة الجاهليَّة ، فماذا نستنبط من هذا ؟
نستنبط أنّ أحدَ مفردات الأخلاق ، وأنّ إحدَى كمالات النبي عليه الصلاة والسلام حسنُ إصغائه ، فأنت تأتي إلى البيت ، لا شك أن الزوجة عندها لك حديثٌ طويل ، معظم هذا الحديث قد لا يعنيك ، وربما لا تعبأ بتفصيلاته، وقد لا ترى أنه حديثٌ يليق بك ، لكن الكمال أن تستمع ، والكمال أن تصغي .
قد يأتي ابنك من المدرسة ، فيحدثك عن خلافٍ نشب مع رفيقه ، وكيف أن زميله هذا شكاه إلى المعلِّم ، وكيف أن المعلِّم عاقبه ظُلماً ، وكيف وكيف … ، حديث طويل ، وقد يبكِ ، وينفعل ، ويحدِّثك ، فأنت كمؤمن ماذا عليك أن تفعل اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلَّم ؟ عليك أن تصغي ، الإصغاء كمال .
الإنسان أحياناً يكون في حالة ضيق شديد ، يكون في ألم شديد ، يعاني من مشكلة ، أربعة أخماس شفائه منها البوح ، أن يبوح بها ، لذلك الآن الأطباء النفسيون يستمعون إلى المريض بهدوءٍ جم ، وبهدوءٍ بالغ ، وأدبٍ متواضع حتى يبوح المريض بكل ما في نفسه ، والمؤمن أحد جوانب كماله الإصغاء ، والاستماع ، وحسن التلِّقي ، والاهتمام ، وليس واحد من المؤمنين إلا وله زوجة ، وله أولاد ، وله أصدقاء ، له إخوة صغار ، إخوة كبار قد يحدِّثونه حديثاً لا يعنيه ، لا يتعلَّق بمشاغله الكبيرة ، ولكن الأدب يقتضي أن يصغي ، وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ، ولعله أدرى به .
قصَّةٌ طويلةٌ جداً روتها السيدة عائشة للنبي عليه الصلاة والسلام ، وكل امرأة تحدَّثت عن زوجها حديثاً بليغاً ، دقيقاً ، واقعياً ثم قال عليه الصلاة والسلام ، وقد انتقى من هذه القصَّة الطويلة خبرَ إحدى الزوجات التي أثنت على زوجها ثناءً كبيراً ، وهو أبو زرع ، فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ

أي أنه انتقى أرقى النماذج وقال : أنا لعلّي لكِ كأبي زرع لأم زرع ، فقالت : بل أنت خيرٌ من أبي زرع .
حديث بين النبي وزوجته في البيت ، أحياناً هناك رغبةٌ جامحة أن نتعرَّف إلى هؤلاء العظماء ، ماذا يفعلون في البيت ؟ ماذا يتكلَّمون ؟ بماذا ينشغلون ؟ ما اهتماماتهم في البيت ؟ كيف يعاملون أهل البيت ؟ هذه صورةٌ واقعيةٌ من حياة النبي عليه الصلاة والسلام وهو في بيته ، السيدة عائشة روت له قصَّةً طويلةً ، منتزعةً من الحياة الجاهليَّة عن نساءٍ كثر تحدَّثن عن أزواجهن حديثاً واقعياً ،
وقد استنبط العلماء الأحكام التالية :
1. نُدِبَ حُسن المعاشرة للأهل ، وندب السمر معهن
أي عليك في وقت من أوقاتك أن تجلس مع زوجتك وتسمع لها ، تحدثها ، تمزح معها مزاحًا شرعيًا ، تصغي إلى همومها ، إلى مشكلاتها ، تحدثك عن أهلها ؛ عن أخواتها ، عن والدتها ، إصغاؤك لزوجتك اتباعٌ لسنة النبي عليه الصلاة والسلام ، إصغاؤك لأولادك الصغار وهم يتحدَّثون عن همومهم لك اتباعٌ لسنة النبي عليه الصلاة والسلام ، فاقتدوا بهذا الخُلُق .إذاً نُدِب حسنُ المعاشرة للأهل ، وندب السمر معهن ، كملاطفة الزوجة ، وإيناس الضيف ،
2. ويجوز ذكر الشخص المجهول عند المتكلِّم والسامع بما يكره
هل هذه غيبة ؟ الجواب : لا ، لماذا ليس غيبةً؟ من هم هؤلاء الرجال ؟ فما ذكرنا أسماءهم ، مَن هنَّ هؤلاء النسوة ؟ ما ذكرنا أسماءهن ، يجوز ذكر ـ كما قال العلماء ـ المجهول عند المتكلِّم والسامع بما يكره ، فإنه ليس بغيبةٍ ، وغاية الأمر أن عائشة رضي الله عنها ذكرت نساءً مجهولات ، ذكرت بعضهن عيوب أزواجٍ مجهولين ، لا يُعرفون بأعيانهم ولا بأسمائهم ، ومثل هذا لا يعد غيبة .
مثلاً : هناك رجل فعل هذا مع زوجته ، فليست هذه غيبة ، هناك امرأةٌ فعلت كذا مع زوجها ، ليسه هذه غيبة ما لم يُذكر شخصٌ بعينه .
لكن أيها الإخوة دقِّقوا فيما سأقوله الآن ؛ لو أنك ذكرت رجلاً نكرةً ، لكن ذكرت أنه يسكن في المكان الفلاني ، يعمل في العمل الفلاني ، تزوج قبل شهر ، والسامع يعرف مَن هذا الذي تزوَّج قبل شهر ، ويسكن في المكان الفلاني ، ويعمل العمل الفلاني ، فأنت بذلك قد أعطيت بعض القرائن التي تشير إليه ، هذه غيبةٌ وربِّ الكعبة ، فأية قرائن تعطيها لاسمٍ مجهول حيث يغدو هذا المجهول معلوماً ، هذه غيبةٌ ورب الكعبة ، فإذا قلت : رجل يحمل الشهادة الفلانية ، يسكن في المكان الفلاني ، يعمل في المكان الفلاني ، فأنت بهذا عرَّفته وانتهى الأمر، ولو لم تذكر اسمه فهذه غيبةٌ ولا شك .
3. يجوز الحديث عن الأمم الماضية ، والأجيال البائدة ، وضرب الأمثال بهم ، لأن في سيرهم عبرةً واستبصاراً للناس .
وهناك شيء آخر ؛ أحياناً تكون هناك موضوعات جادة ، دراسة جادة ، موضوع فقهي ، موضوع في التفسير، موضوع في الحديث ، فإذا قيلتْ طرفة ترطِّب الجو ، تجدِّد النشاط ، ترسم على الوجوه ابتسامة ، فهذا من لوازمالتعليم ، فهذا حكم آخر ، فلك أن تذكر طرفةً لطيفةً تريح المستمعين ، تجدِّد نشاطهم ، تعطيهم القوة على متابعة المحاضرة ، هذا حكمٌ آخر يدلّ على أمر مباح .
يروى عن القاضي عياض :

أن التحدث بمِلَحِ الأخبار ، وطُرف الحكايات تسليةٌ للنفس ، وجلاءٌ للقلب

وقال سيدنا عليٌ كرَّم الله وجهه :

سلَّوا هذه النفوس ساعةً بعد ساعة فإنها تصدأ كما يصدأ الحديد

عظماء العالم عندهم روح مرحة ، الروح المرحة ، والطرفة اللطيفة ، والفكاهة المنضبطة ، هذا يجذب المستمع ، ويجدِّد النشاط ، فأنا أقترح على إخواننا الكرام إذا كنت في البيت فلا تكن جاداً إلى درجة المَقْت ، كن ليِّناً، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بسَّاماً ضحَّاكاً ، اروِ بعضَ الطُرف ، ابتسمْ ، اذكرْ الأسماء متحبِّباً ، انظر نظرة عطف ، هذا الذي يقيم الودَّ في البيت ،
قال سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام:

ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان

آباءٌ كثيرون يقولون : أنا لا أُقصر بحق أهلي مادياً ، أهلك يريدون ابتسامتك ، أعطيهم أموالاً كثيرة كثَّر اللهُ خيرك ، لكن أهلك يريدون ابتسامتك ، طلاقة وجهك ، الكلمة اللطيفة ، السلام ، السؤال عن الصحة ، التعطُّف ، التحبُّب، التودُّد ، هذا الذي يريده الآخرون منك ،
لذلك قال رسول الله عليه الصلاة والسلام :

إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم

[من الجامع الصغير]

قال رسول الله عليه الصلاة والسلام :

الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ

[من صحيح البخاري : عن أبي هريرة]

احترامهم :

وعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِيِنَ قَالَتْ :

أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَام تَمْشِي لَا وَاللَّهِ مَا تَخْفَى مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ قَالَ مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ

[رواه البخاري]

وأيضاً :

كان عليه الصلاة والسلام يقف لابنته فاطمة إذا دخلت عليه

الودُّ الذي بين النبي وبين أهله يفوق حدَّ التصور ، فأنت إذا قلَّدت النبي ، كما لو دخلتْ عليك ابنتك المتزوِّجة مع زوجها فنهضت واقفاً ، وقلت : أهلاً ببنيَّتي الحبيبة ، وصافحتها ، وأجلستها ، وسألتها عن صحَّتها ، وعن أولادها ، وعن زوجها ، وكيف حالها ، هذا عمل عظيم ، شددتها إليك ، ألَّفت قلبها ، جبرت خاطرها ، أكرمتها ، هكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم .

أمرنا أن نستوصي بالنساء خيراً :

وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء خيراً في مناسباتٍ متعددة ،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ

أنا والله أشعر أيها الإخوة إذا كان الإنسان مع أهله – ولا زلنا بصدد معالجة موضوع الأهل – يعيش في مودة في حب ، فالله يرزقك ، والله يفرح بهذين العبدين ، لأن الشغب ، والشقاق والخصومات تفكِّك الحياة الزوجية و، تصرف الإنسان عن صلاته ، وإنْ صلاّها صلاَّها متوتِّرَ النفس ، ودائماً في حالة هياج وغضب ،
لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ

فالنبي يوصيك بهن ، فإذا كنتَ تحبُّ شخصًا كثيرا ، فقدْ يكون في دائرة عملك مديرٌ مهم، وعندك موظف دونك ، وقال لك : هذا عينك عليه ، هذا وصيتي عندك ، واللهِ تعتنِي به عناية بالغة ، فكرامةً لعينِ المدير تكرم مرج عيون ، فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام أوصاك بالنساء ، هذه امرأة ضعيفة ، قد تكون مزعجة ، لكنك أنت أوسع منها ، بطولتك ليست مع امرأة متفوقة في الكمال ، بطولتك مع امرأة مزعجة ، وباحتوائك وامتصاصك لانفعالاتها وحركاتها الهوجاء تعبِّر عن كمالك .

خُلقه مع من يخدمه

ابتسامتك في وجه أخيك صدقة ، طلاقة الوجه صدقة ، هكذا ، وكان
عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

خَدَمْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ – وفي رواية تسع سنين- فَمَا قَالَ لِي : أُفٍّ قَطُّ ، وَمَا قَالَ لِشَيْءٍ صَنَعْتُهُ لِمَ صَنَعْتَهُ وَلَا لِشَيْءٍ تَرَكْتُهُ لِمَ تَرَكْتَهُ

وأنس قد خدم النبي صلى الله عليه وسلَّم عشر سنين .
وآخر قال:

فما سبني صلى الله عليه وسلَّم قط ، ولا ضربني قط ، ولا انتهرني ، ولا عبس في وجهي ، ولا أمر في أمرٍ فتوانيت فيه فعاتبني عليه ، فإن عاتبني عليه أحدٌ من أهلي

قال :

دعوه لو قُدِّر شيءٌ لكان

أحياناً يكون عمال في محل تجاري ، يغلط هذا العامل غلطة طفيفة فَيَسُبُّه أباه الذي خلَّفه ، والذي عرَّفه عليه، هذا العامل المسكين يشعر أنه سيسحق سحقًا ، هكذا بعض أرباب العمل ، أما المؤمن فإنّه يتخلَّق بأخلاق النبي ، حلم جمٌّ وتسامح .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

كاد الحليم أن يكون نبيا

[من الجامع الصغير : عن أنس]

أحياناً يُسمع الصانع كلمات تجرح ، لو أنك جرحته بالسكين لكان أهون عليه من هذه الكلمات القاسية التي تحقِّره بها ،
قال عليه الصلاة والسلام :

لا تحمِّروا الوجوه

بل إن النبي عليه الصلاة والسلام كان لا يواجه أحداً بما يكره ، وإذا أراد أن يصلح من عيوب أصحابه صعد المنبر وقال :

ما بال أقوامٍ يفعلون كذا وكذا

عمم القول ، هذا من أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (07-32) : خلقه العظيم – وإنك لعلى خلق عظيم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-11-14 | المصدر
السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (08-32) : إنبساطه مع أهله وذوي القربى ، مباسطته مع زواره
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-11-28 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس