انبساط الرسول صلى الله عليه وسلم مع زواره واهتمامه بمن يحادث

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة المؤمنون ؛ مع شمائل النبي صلى الله عليه وسلَّم ، مع من يتحدث إليه أو يزوره

كان يُصغي بإهتمام إلى من يُحدثه :

من أدبه الرفيع صلى الله عليه وسلَّم مع من يحدِّثه ، كان صلى الله عليه وسلَّم يصغي كل الإصغاء إلى من يحدِّثه أو يسأله ، ويُقبِل عليه ويلاطفه ،
فكثيراً من الآباء يكون مشغولاً ، القضية تشغل باله ، يحدِّثه ابنه كثيراً ، فلو سئل : ماذا حكيت ؟ فيجيب: والله ما انتبهت ، تحدِّثه زوجته فلا يصغي إليها ، عدم الإصغاء يجرح المتكلِّم .
عَنْ أَنَسٍ قَالَ :

مَا رَأَيْتُ رَجُلًا الْتَقَمَ أُذُنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – أي أراد أن يهمس بأذنه ، أي يكلِّمه سراً فينحي النبي رأسه عنه أبداً، ما فعلها ولا مرَّةً واحدة ، إنسان قرَّب فمه إلى أذن النبي ليسرَّ إليه سراً ما فعل النبي في حياته كلها أن ابتعد عن هذا المتكلم -فَيُنَحِّي رَأْسَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يُنَحِّي رَأَسَهُ وَمَا رَأَيْتُ رَجُلًا أَخَذَ بِيَدِهِ فَتَرَكَ يَدَهُ حَتَّى يَكُونَ الرَّجُلُ هُوَ الَّذِي يَدَعُ يَدَهُ

عن عمرو بن العاص قال :

كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقبل بوجهه وحديثه على شر القوم ـ إنسان شرير ـ وكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتى ظننت أني من خير القوم ، فقلت : يا رسول الله أنا خيرٌ أم أبو بكر ؟ قال : أبو بكر ، قلت : يا رسول الله : أنا خيرٌ أم عمر ؟ قال : عمر ، قلت : يا رسول الله أنا خيرٌ أم عثمان ؟ قال : عثمان ، فلما سألت النبي صلى الله عليه وسلَّم عَنْ عليٍّ صدَّ عني ، فوددْتُ أني لم أكن سألته

يألف ويؤلف :

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

المؤمن يألف ويؤلف ، ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف

وكان عليه الصلاة والسلام إذا بعث بعثاً قال :

تألَّفوا الناس

أي إنّ المؤمن مألفة ، يألف ويؤلف ، وكان عليه الصلاة والسلام أطلقَ الناس وجهًا ، وأكثرهم تبسُّماً ، وأحسنهم بشراً .

ساقي القوم آخرهم شرباً:

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ فَقَالَ :

يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطِشْنَا فَقَالَ لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ ثُمَّ قَالَ أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي قَالَ وَدَعَا بِالْمِيضَأَةِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُبُّ وَأَبُو قَتَادَةَ يَسْقِيهِمْ فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً فِي الْمِيضَأَةِ تَكَابُّوا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسِنُوا الْمَلَأَ كُلُّكُمْ سَيَرْوَى قَالَ فَفَعَلُوا فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصُبُّ وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِي اشْرَبْ فَقُلْتُ لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِنَّ سَاقِيَ الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شُرْبًا قَالَ فَشَرِبْتُ وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

[صحيح مسلم عن أبي قتادة]

علِّم نفسك إذا كنت مع مجموعة أنْ تكون عطوفًا كالأب ، فكثيرًا ما لاحظت في نُزهات يقوم بها بعض الإخوة الكرام ، فيوضع الطعام على المائدة ، المجموع عشرة ، والموجود سبعة يبدؤون بالطعام ، وثلاثة في خدمة هؤلاء ، يجب ألاّ نأكل لقمةً واحدة إلى أنْ يجتمع الكل على المائدة ، وكبير القوم يقول : بسم الله الرحمن الرحيم ، هكذا السنة .

كان بساماً :

الابتسامة أيها الأخ الكريم لا تكلِّفك شيئاً ، لكنها تفعل فعل السحر في نفوس مَن هم دونك ؛ فلو أنّ مدير مدرسة ، أو مدير مستشفى ، أو مدير معمل ، أو صاحب متجر عنده موظَّفون فدخل مبتسمًا ، وقال : السلام عليكم ، كيف حالكم؟ هذه الكلمات الخفيفة اللطيفة تفعل فعلَ السِّحر ، فإياك أن تضنَّ بها على مَن هم معك ، تجدِّد نشاطهم ، تبعث فيهم الهمَّة .
عن جابر رضي الله عنه قال :

كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت : نذير قومٍ أتاهم العذاب ، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجهاً ، وأكثرهم ضحكاً ، وأحسنهم بشراً

عوِّد نفسك الابتسامة دائماً ، ترحيب شديد ، سلام حار ، سؤال عن الصحة ، عن الأهل ، يخطر في بالي أحياناً إنسان جاء من مكان بعيد ، كيف الحال ؟ الحمد لله ، كيف الأمطار عندكم ؟ الحمد لله ، الأهل بخير إن شاء الله ؟ الكلمة الطيبة صدقة ، فالنبي الكريم إذا جاءه الوحي ، أو وعظ قوماً قلت : نذير قومٍ ، هو نذير قومٍ أتاهم العذاب ، فإذا ذهب عنه ذلك رأيته أطلق الناس وجهاً ، وأكثرهم ضحكاً ، وأحسنهم بشراً .
تقول السيدة عائشة حينما سُئلت : كيف كان النبي صلى الله عليه وسلَّم إذا خلا في بيته ؟ قالت :

كان ألين الناس ، بسَّاماً ، ضحَّاكاً ، لم يُر قطُّ ماداً رجليه بين أصحابه

السلام بحرارة وبتحية أكبر من التي أُلقيت:

عن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : جاء رجلٌ إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم فقال :

السلام عليك يا رسول الله

فقال عليه الصلاة والسلام :

وعليك السلام ورحمة الله

ثم أتى آخر فقال :

السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله

فقال عليه الصلاة والسلام :

وعليك السلام ورحمة الله وبركاته

ماذا يستنبط من هذا الحديث ؟ يستنبط ..
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً)

[سورة النساء : من آية 86]

هكذا علَّمنا النبي ، السلام عليكم ، عليكم السلام ورحمة الله ،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أَفْشُوا السَّلامَ تَسْلَمُوا

[من مسند أحمد : عن البراء بن عازب]

يعرف لكل إنسان قدْرَه:

وعَنْ عَلِيٍّ قَالَ جَاءَ عَمَّارٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ :

ائْذَنُوا لَهُ مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ

[من سنن الترمذي : عن علي]

شيء جميل أن يكون حولك أحباب ، ولكن عليك أن تُعطي كل إنسان حقه ، وتعطيه قدره ، وتعرف ميزاته ، وتعرف تفوُّقه ، وتعرف جوانب عظمته ، وتعرف بطولاته ، وتعرف لكل إنسان قدْرَه ، هكذا السُنة ،

مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ

سيدنا عمر :

لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر

سيدنا الصديق :

ما ساءني قط ، فاعرفوا له ذلك

سيدنا سعد :

ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي

سيدنا معاذ :

والله إني لأحبك

سيدنا خالد :

سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ

سيدنا أبو عبيدة :

أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ

سيدنا الزبير :

حواري هذه الأمة

ذات مرَّةٍ قلت لكم : دخل المسجدَ رجلٌ وكان النبي قد بدأ بالصلاة ، فخاف هذا الصحابي أن تفوته الركعة مع رسول الله فأحدث في المسجد جَلَبَةً وضجيجًا ليدرك الركعة ، فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام قال :

زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ

[من صحيح البخاري : عن أبي بكرة]

علَّمنا إذا أردت أن تنتقد أحداً ممن معك في العمل ، ذكِّره أولاً بنواحيه الإيجابيَّة ، بعدئذٍ حاول أن توجِّهه الوجهةَ الصحيحة .

ترحابه بالوافدين:

إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :

مَنْ الْوَفْدُ قَالُوا رَبِيعَةُ قَالَ مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ أَوْ بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى …

وٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ قَالَ:

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ جِئْتُهُ مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ الْمُهَاجِرِ

[من سنن الترمذي : عن عكرمة بن أبي جهل]

السلام اللطيف ، أن تناديه باسمه ، أو بأحب الأسماء إليه ، أو بصفته ، أو بما يحبه من الكُنى هذا من السنة .

الإطمئنان عن الحال :

أنسٍ رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلَّم كان يلقى الرجل فيقول :

يا فلان كيف أنت ؟

فيقول:

بخيرٍ أحمد الله

فيقول له النبي صلى الله عليه وسلَّم :

جعلك الله بخير

كيف حالك يا فلان ؟ كيف أهلك ؟ كيف أولادك ؟ كيف عملك ؟ هل أنت بخير ؟ هل تشكو شيئاً ، قل لي ؟ هكذا المؤمن .
عن ابن عمر قال : قال عليه الصلاة والسلام لرجل :

كيف أصبحت يا فلان ؟

قال :

أحمد الله إليك يا رسول الله

فقال له النبي صلى الله عليه وسلَّم :

ذلك الذي أردته منك

عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها :

كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال الحمد لله على كل حال

يكرم كريم كل قوم:

وكان عليه الصلاة والسلام يكرم كريم كل قوم ، هكذا علَّمنا ..
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أنزلوا الناس منازلهم

[من الجامع الصغير : عن السيدة عائشة]

وقال عليه الصلاة والسلام:

أكرموا عزيز قومٍ ذل ، وغنيٍ افتقر ، وعالِمٍ ضاع بين الجهَّال

كان عليه الصلاة والسلام يكرم كريم كل قوم ويقول :

إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ

[من سنن ابن ماجة : عن ابن عمر]

إنسان كان له عمل معيَّن ، كان له شأن ، كان غنيًا فافتقر ، الإنسان مطلوب منه أنْ يحترمه احترام زائدًا ، هكذا علَّمنا النبي صلى الله عليه وسلَّم.
أن النبي صلى الله عليه وسلَّم دخل بعض بيوته ، فدخل عليه أصحابه حتى غُصَّ المجلس بأهله وامتلأ، فجاء جرير البجلي فلم يجد مكاناً ، فقعد عند الباب ، فنزع النبي صلى الله عليه وسلَّم رداءه وألقاه إليه ..
وهنا ملاحظة ، كريم قوم لم يجد مكانًا ، جلس عند الباب ، فالنبي وهو يحدِّث أصحابه انتبه ، فخلع رداءه ، وألقاه إليه ، وقال : اجلس عليه – ما هذه الأخلاق ؟ ـ فأخذه جرير ، هل جلس عليه ؟ أخذه جرير فألقاه على وجهه وجعل يقبِّله ويبكي ، ورمى به إلى النبي وقال : ما كنت لأجلس على ثوبك ، أكرمك الله كما أكرمتني ، فنظر النبي صلى الله عليه وسلَّم يميناً وشمالاً ، وقال : إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه
وعن عدي بن حاتم أنه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلَّم ألقى إليه وسادةً ، فقال عدي : أشهد أنك لا تبغي علواً في الأرض ولا فسادا ، ليس في بيت النبي إلا وسادة واحدة ، ألقاها لعدي وقال : اجلس عليها، قلت : بل أنت ، قال : بل أنت ، فجلست عليها وجلس هو على الأرض ، وأسلم عدي بن حاتم ، وقال عليه الصلاة والسلام : إذا أتاكم كريم قومٍ فأكرموه
وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم:

إذا كانت عندك كريمة قومٍ فأكرمها

[من الجامع الصغير : عن ابن عمر]

امرأة لها شأن في أهلها أكرمها .
فالنبي عليه الصلاة والسلام هكذا أخلاقه مع أصحابه ، ومع الوفود بالترحيب ، التكريم ، ويعرف كل قوم مَن رئيسُهم ، مَن زعيمُهم ، مَن سيِّدُهم ، له معاملة خاصَّة .

القيمة في التطبيق:

هذا الكلام لا لأخذ العلم ، ولكن للتطبيق العملي ، فهذه القيم كلُّها قيمتها في التطبيق ، أمّا كمعلومات فهي لا تقدِّم ولا تؤخِّر ، والنبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مقام عند الله ، ولا يزيده رفعةً أن نتحدَّث عن شمائله ، ولا يقلِّل من قدره أو ينتقص أن نسكت عن شمائله.
قال تعالى :

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ)

[سورة آل عمران آية : 31 – 32]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (08-32) : إنبساطه مع أهله وذوي القربى ، مباسطته مع زواره
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-11-28 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس