شخصية النبي صلى الله عليه وسلم وبعض صفاته

بسم الله الرحمن الرحيم

النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أمي:

إنك تعتز بأستاذ لك كبير، بعالم جليل، لأنه درس العلم على يد علماء كبار، فكيف بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد تولى الله تعليمه؟

(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى)

[سورة النجم الآية: 5-6]

وهو أمي، معنى أمي الفكرة دقيقة، لو جاءنا أعلى طبيب جراح بالعالم، يحمل بضع شهادات عليا، وله تجارب رائعة في العمل الجراحي، ودخل مطار دمشق وهو لا يتقن اللغة العربية، فإذا قلنا: هذا الطبيب اللامع والعالم الكبير هو أمي في اللغة العربية، كلامنا صحيح، هل تعني أمي أنه جاهل؟ قد يكون أعلم العلماء لكن من حيث اللغة لا يتقنها، فالنبي لا يكتب ولا يقرأ، ولكن الله تولى تعليمه، لأن وعاءه الثقافي ما أراده الله أن يكون ممتلئاً بثقافة أهل الأرض، وتكلم النبي مع أصحابه، يسأله أصحابه مع كل كلمة يقولها هذه من ثقافتك أم من الوحي؟ فشاءت حكمة الله أن يكون وعاء النبي الثقافي فارغاً من كل ثقافة أرضية، وأن يملأ هذا الوعاء بوحي السماء، لذلك قال تعالى:

(وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)

[سورة النجم الآية: 3-4]

لذلك أميته وسام شرف، وأميتنا وصمة عار، لأننا نحن ينطبق علينا الحديث الشريف:

إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم

[أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء]

النبي الكريم صلى الله عليه وسلم معصوم في أقواله و أفعاله وإقراره:

النبي عليه الصلاة والسلام معصوم بمفرده، معصوم في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وقد أمرنا الله عز وجل من خلال القرآن الكريم أن نأخذ منه ما آتانا، وأن ننتهي عما عنه نهانا، فمتابعة النبي عليه الصلاة والسلام في أقواله وفي أفعاله وفي إقراره واجب عيني على كل مسلم، لأنه القدوة، ولأنه المثل، ولأنه يمثل الكمال البشري، ولأن الله عز وجل بعثه هادياً لكل الأمم من دون استثناء بل هو رحمة للعالمين.
أنت كإنسان مؤمن تبتغي الله والدار الآخرة لا بدّ من أن يكون هذا الإنسان العظيم قدوة لك في كل أحواله؛ في بيته، في عمله، مع أخوانه، مع أصحابه، في سلمه، في حربه، في فقره، في غناه، في ضعفه، في قوته، هو القدوة والمثل، وقد أمرت أن تتابع النبي عليه الصلاة والسلام وقد قال الله عز وجل:

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

[سورة آل عمران]

بل إن كل ما يعانيه العالم الإسلامي اليوم من ضعف وتفرق بسبب بعد المسلمين عن تطبيق سنة النبي القولية، وعن الاقتداء بسنته العملية، والدليل قوله تعالى:

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)

[سورة الأنفال الآية: 33]

قال علماء التفسير: معنى الآية بعد انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن يعذب المسلمون بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ما دامت سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهجه، وسيرته قائمة في حياتهم،

النبي الكريم صلى الله عليه وسلم سيد البشر:

هو سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم، وقد عصمه الله ويوحى إليه ولكنه بشر، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر:

(قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)

[سورة الكهف الآية: 110]

الله عز وجل أمر المؤمنين أن يأخذوا عن النبي وأن يقتدوا به:

أيها الأخوة، إذا قلنا سنة النبي ماذا تعني؟ تعني أقواله، وأفعاله، وإقراره، تعني أقواله تشريع:

(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)

[سورة النجم الآيات: 3-4]

كلامه وحي غير متلو وهو معصوم وقد أمرنا أن نأخذ عنه:

(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)

[سورة الحشر الآية : 7]

وقد أمرنا أن نقتدي به في سيرته، قال تعالى:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً)

[سورة الأحزاب الآية: 21]

الحركة التي ينبغي أن يتحركها الإنسان يجب أن تكون مطابقة لحركة النبي:

أخوتنا الكرام الإنسان كائن متحرك ما الذي يحركه؟ حاجته إلى الطعام والشراب، وحاجته إلى الطرف الآخر الزواج، وحاجته إلى تأكيد الذات، هذه دوافع الحركة، الآن الإنسان كائن متحرك، هذه الحركة إما أن تكون فرضاً تتوقف على هذه الحركة سلامتك وسعادتك، وإما أن تكون واجباً أقل من الفرض، وإما أن تكون سنة، وإما أن تكون مباحاً، وإما أن تكون مكروهة، وإما أن تكون مكروهة كراهة تحريمية، وإما أن تكون حراماً، ما من حركة ولا سكنة ولا سير ولا وقوف ولا ذهاب ولا إياب ولا عطاء ولا منع ولا غضب ولا رضا إلا ويخضع لهذه التقسيمات؛ فرض، واجب، سنة، مستحب، مباح، مكروه كراهة تنزيهية، كراهة تحريمية، حرام، وأنت مكلف أن تتابع النبي عليه الصلاة والسلام، فلذلك نحن حينما ندرس شمائله كأنني أقول لكم ندرس ما ينبغي أن نعمله، ندرس ما ينبغي أن نقتدي به، إذاً موضوع دقيق جداً لأن الإسلام كله كلمتان لا إله إلا الله توحيد، محمد رسول الله اقتداء، أي هناك كلمة التوحيد وكلمة الاتباع، تؤمن بأنه لا إله إلا الله وتتبع هذا النبي، بل إن دعوة الأنبياء جميعاً مختصرة بكلمتين:

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ)

[سورة الأنبياء الآية: 25]

وما أرسلنا من رسول إلا نوحي إليه نقطتين، أنه لا إله إلا أنا، توحيد، فاعبدون الطاعة، أي الإسلام عقيدة وسلوك، منطلقات نظرية، تطبيقات عملية، فكر وحركة، إذاً الحركة التي ينبغي أن يتحركها الإنسان يجب أن تكون مطابقة لحركة النبي عليه الصلاة والسلام.

الفرائض شرط أساسي لسلامة الإنسان وسعادته :

أيها الأخوة الكرام، إن معرفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم القولية، ومعرفة سنته العملية أي سيرته فرض عين على كل مسلم، انطلاقاً من أنه ما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما لا تتم السنة إلا به فهو سنة، وتوضيحاً لذلك الوضوء فرض لأن الصلاة فرض ولا تتم إلا به، وحينما يقول الله عز وجل:

(وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)

[سورة الحشر الآية : 7]

كيف نأتمر بما آتانا وكيف ننتهي عما عنه نهانا إن لم نعرف ما الذي آتانا وما الذي عنه نهانا؟ إذاً هناك في حياتنا فرائض، هناك واجبات، هناك سنن مؤكدة، هناك سنن غير مؤكدة، هناك مستحبات، هناك مباحات، هناك مكروهات كراهة تنزيهية، هناك مكروهات كراهة تحريمية، هناك حرام، أي الفرائض شرط أساسي لسلامتك وسعادتك، والمحرمات تحرمك السلامة والسعادة، دقق فرائض، واجبات، سنن مؤكدة، سنن غير مؤكدة، مستحبات، مباحات، مكروهات كراهة تنزيهية، مكروهات كراهة تحريمية، ما من حركة، ولا سكنة، ولا نشاط في ليل أو نهار، في أي مكان، في أي زمان، إلا ويغطى بأحد هذه الأحكام الشرعية، ولكن الكمال الذي أراده الله لنا، مكارم الأخلاق التي بها نصل إلى الجنة، حيث ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، هذا الكمال لا يمكن أن يعيش في الكتب فقط، لا بدّ من أن نراه في إنسان متحرك، كيف أن الكون قرآن صامت، وكيف أن القرآن كون ناطق، إلا أن النبي عليه الصلاة و السلام قرآن يمشي، هذه الفضائل، هذه القيم، هذه المكارم، العطاء، الكرم، الشجاعة، الحلم، الصبر، هذه الفضائل، لا قيمة لها إطلاقاً إذا بقيت في الكتب, لابدّ أن تكون ممثلة في بشر يتحركون أمامنا، فلذلك تعد مهمة النبي صلى الله عليه وسلم على شقين، مهمة التبليغ؛ والتبليغ سهل أي إنسان آتاه الله طلاقة لسان، آتاه الله علماً، آتاه الله فكراً ثاقباً يبلغ، فإذا صحّ أن مهمة النبي صلى الله عليه وسلم الأولى هي التبليغ لكن المهمة الكبرى هي القدوة، أن يكون قدوة لنا.
ذلك أن كل إنسان هناك شخصية يكونها، وهناك شخصية يتمنى أن يكونها، وهناك شخصية يكره أن يكونها، المؤمن الصادق الشخصية التي يتمنى أن يقتفي أثرها، أن يسير على منهجها، أن يتبعها، هي شخصية النبي عليه الصلاة والسلام والدليل:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ)

[سورة الأحزاب الآية : 21]

لكن في الآية ملمح دقيق إذا كنت ترجو الله، إلهي أنت مقصودي، ورضاك مطلوبي، إذا كنت ترجو الله واليوم الآخر ينبغي أن تكون شخصية النبي عليه الصلاة والسلام هي القدوة والمثل.

معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم :

لا بدّ من أن تعرف جوانب شخصية النبي صلى الله عليه وسلم، لا بدّ من أن تعرف شمائلها، لا بدّ من أن تعرف كمالها، لا بدّ من أن تعرف خصائصها، لذلك الله عز وجل يقول في محكم كتابه:

(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ)

[سورة المؤمنون الآية :69]

ويقول الله عز وجل:

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾)

[سورة سبأ الآية : 46]

إذاً معرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض عين على كل مسلم، لأن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينة على خلاف ذلك، وما دام هذا الأمر يقتضي الوجوب من لوازم تنفيذ هذا الأمر أن تعرف جوانب هذه الشخصية الفذة الأولى في العالم، ورد في بعض الأحاديث:

سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا

[أخرجه مسلم عن ابن عمر]

كما قال النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك نقول قبل أن نصلي: “اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة والدرجة العالية الرفيعة، وابعثه المقام المحمود”، هذا النبي عليه الصلاة والسلام، هذا القدوة، هذا المثل، هذا المخلوق الأول الذي أقسم الله بحياته، قال تعالى:

(لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ)

[سورة الحجر]

إدارة الوقت هو سلوك الأذكياء :

هذا العمر الذي نعيشه، نحن بِضْعَةُ أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه، مرة كنت مديراً في ثانوية، في محافظة جنوبية، أذكر أنه بعد ثلاثين عاماً كان طالباً من طلابي في الصف العاشر، فإذا به يحتل منصباً رفيعاً دعاني إلى هذه البلدة، قلت: يا رب بين الزيارتين ثلاثون عاماً، كيف مضت هذه الأعوام الثلاثون؟ كلمح البصر، لذلك قالوا: الدنيا ساعة اجعلها طاعة، والنفس طماعة عودها القناعة، أي الزمن يمضي سريعاً، وأنت بضعة أيام وكلما انقضى يوم من حياتك انقضى بضع منك، مثلاً إنسان يملك سبعين ليرة كلما أنفق ليرة نقص ماله، فأنت لك عند الله عمر ثابت، انظر إلى عقرب الثواني كل حركة تشير إلى ثانية، معنى ذلك أن العمر قد قلّ ثانية، أنا لا أرى أن هناك عمل أليق بالمؤمن، ولا أكمل، من أن يدير وقته، وقت لمعرفة الله، وقت للتفكر في خلق السماوات والأرض، وقت لأداء العبادات، وقت للجلوس مع الأهل، وقت لتعليم الأولاد، وقت لوصل أخوانك الكرام، وقت للعمل، وقت للصلاة، إدارة الوقت هو سلوك الأذكياء، النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة قال:

اِغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ : شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغِكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ

[أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس وأحمد عن عمرو بن ميمون]

النبي عليه الصلاة والسلام كان المخلوق الأول في إدارة الوقت:

أيها الأخوة الكرام، إدارة الوقت شيء رائع، لأن الله عز وجل أقسم بعمر النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه كان المخلوق الأول في إدارة الوقت.

أكثروا من ذكر هادم اللذات ـ مفرق الأحباب ـ مشتت الجماعات

[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة]

عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به

[أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر]

كان عليه الصلاة والسلام إذا دعاه أترابه إلى اللعب يقول:

أنا لم أخلق لهذا

وحينما جاءته رسالة الهدى، دعته زوجته لأخذ قسط من الراحة قال:

يا خديجة انقضى عهد النوم

قال تعالى:

(أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ)

[سورة المؤمنون الآية :69]

ينبغي أن نعرفه، لذلك قالوا: مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، بل مستحيل وألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه، وقد ورد في صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه من رآه بديهة هابه، ومن عامله أحبه، هل أنت كذلك؟ لك هيبة لكن إذا احتك بك الناس أحبوك؟ إذا احتك بك الناس هاموا بك؟ حينما يقول الله عز وجل:

(الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا)

[سورة الحجرات الآية : 15]

هناك أمر إلهي أن تؤمن بهذا الرسول، مرة قال النبي عليه الصلاة والسلام، قبيل معركة بدر: لا تقتلوا عمي العباس، رجل حول النبي عليه الصلاة والسلام، قال: أحدنا يقتل أباه وأخاه في المعركة، وينهانا عن قتل عمه! لم يفهم هذا التوجيه، ثم تبين بعد حين أن عمه قد أسلم وهو هناك، وهو عينه في قريش، وكانت إدارة النبي عليه الصلاة والسلام في أعلى مستوى، فكل قرار تتخذه قريش يكون عند النبي عليه الصلاة والسلام، يقول هذا الرجل الصحابي: ظللت أتصدق عشر سنين رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله.

تواضع النبي عليه الصلاة والسلام :

مقام النبوة، سيدنا عمر دخل على سيدنا رسول الله، وقد اضطجع على حصير، وأثر الحصير على جنينه الشريف، أو على خده، فبكى عمر، قال : يا عمر ماذا يبكيك؟ قال: رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير، قال: “يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً”، أنا لست ملكاً، إنما هي نبوة وليست ملكاً.

هون عليك فإني ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد بمكة

[ابن ماجه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ]

تواضعه عجيب، كان النبي عليه الصلاة والسلام في سفر وأرادوا أن يعالجوا شاةً، فقال أحدهم: عليّ ذبحها يا رسول الله، فقال الثاني : وعليّ سلخها، وقال الثالث : عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام :

وعليّ جمع الحطب

فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفوني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه.

وفاء النبي عليه الصلاة والسلام :

لما فتح مكة ودعاه سادتها ليبيت عندهم، فقال لهم:

انصبوا لي خيمة عند بيت خديجة

ليعلم العالم كله أن هذه المرأة التي في القبر هي شريكته في النصر.
ما هذا الوفاء! معه زوجة شابة في ريعان الشباب، فضجرت من كثرة ذكره لخديجة، خديجة في سن أمه عندما تزوجها كانت في سن الأربعين، هو في الخامسة والعشرين، وعنده فتاة في ريعان الشباب قالت له مرة: ألم يبدلك الله خيراً منها؟ قال: لا والله لا والله لا والله، ما هذا الوفاء؟

عفو النبي عليه الصلاة والسلام:

عندما فتح مكة، من في مكة؟ مكة التي أخرجته، مكة التي ائتمرت على قتله، مكة التي نكلت بأصحابه، مكة التي حاربته ثلاثة حروب، بدر، وأحد، والخندق، مكة التي تفننت بقتل أصحابه، ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم، قال:

فاذهبوا فأنتم الطلقاء

هذا العفو، يوم دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، صعد المنبر واستقبل الناس باكياً وقال: من كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فليقتدْ منه، ومن كنت شتمتُ له عرضاً فهذا عرضي، ولا يخشى الشحناء، فإنها ليست من شأني، ولا من طبيعتي.

معرفة شمائل النبي فرض عين على كل مسلم لأنه قدوة لنا :

هذا الإنسان العظيم، هذا الذي بلغ سدرة المنتهى، هذا هو المخلوق الأول، هذا سيد الأنبياء والمرسلين، هذا سيد ولد آدم، أيعقل أن لا نعرفه؟ أيعقل أن لا ندرس شمائله، كمالاته، صدقوا ولا أبالغ إن معرفة شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، فرض عين على كل مسلم، لأنه قدوة لنا والدليل:

(لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾)

[سورة الأحزاب الآية : 21]

أدلة على ضرورة معرفة شمائل النبي :
أيها الأخوة، من الأدلة على ضرورة معرفة شمائل النبي قول الله عز وجل:

(وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)

[سورة هود الآية : 120]

إذا كان قلب سيد الخلق وحبيب الحق يزداد يقيناً بسماع قصة نبي دونه فلأن يمتلئ قلبنا إيماناً وتألقاً بمعرفة سيرة سيد الأنبياء من باب أولى، هناك آية حينما تقرأها لا شك أنه يقشعر بدنك:

(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ)

[سورة الحجرات الآية : 7]

هو فينا، هو معنا، سنته بين أيدينا، أحاديثه بين أيدينا، مواقفه بين أيدينا، سيرته بين أيدينا، كمالاته بين أيدينا:

(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ)

[سورة الحجرات الآية : 7]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – الشمائل المحمدية 2010 – الدرس (01- ) : تمهيد، معرفة السنة النبوية القولية والعملية فرض عين، قيمة الأعجاز العلمي في حياتنا المعاصرة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-03-21 | المصدر
السيرة – الشمائل المحمدية 2010 – الدرس (02- ) : مقدمة1، صفات النبي وشخصيته، القمح
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-03-28 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس