التوبة مخرج نجاة

بسم الله الرحمن الرحيم

كل جهل قد يُغتفر إلا جهل الإنسان سرّ وجوده وغاية حياته :

أيها الأخوة الكرام، عن النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه أنه قال:

يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب ولا أبالي، فاستغفروني أغفر لكم

[مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه]

وفي حديث قدسي آخر، يقول النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

وعزتي وجلالي إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إلي، هرولت إليه، وإن استغفرني غفرت له، وإن استقالني أقلته، وإن تاب إلي تبت عليه، من أقبل علي تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردت ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل طاعتي أهل كرامتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم ، فإني أحب التوابين وأحب المتطهرين، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، أشكر اليسير من العمل، وأغفر الكثير من الزلل، رحمتي سبقت غضبي وحلمي سبق مؤاخذتي، وعفوي سبق عقوبتي، وأنا أرحم بعبدي من الأم بولدها… .

[أخرجه الطبراني والبيهقي في شعب الإيمان]

قال ابن القيم ـ رحمه الله عز وجل:

من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه ومن أعجب العجب أن تحبه ثم لا تطيعه

img أيها الأخوة الكرام، إن كل جهل مهما عظمت نتائجه قد يُغتفر، إلا أن يجهل الإنسان سرّ وجوده، وغاية حياته، ورسالة نوعه، وحقيقة مهمته، وأكبر عارٍ على هذا المخلوق الأول المكرم، الذي آتاه الله العقل، ومنحه الإرادة، أن يعيش جاهلاً وغافلاً، يأكل ويتمتع كما تأكل الأنعام، لا يدري شيئاً عن حقيقة وجوده، ولا عن طبيعة عمله في الحياة، فيضل الطريق وينحرف عنه بسبب جهله، وغفلته، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع أن يفعله عدوه به.
أو بسبب إغراء عابث، أو شهوة جامحة، فيهبط عن مستواه الإنساني، وتسقط قيمته النوعية، ويصل إلى الدرك الذي يعوقه عن النهوض بتبعات الحق والخير، عندئذ يبتعد عن التطهُّر والتسامي، ويندفع إلى تحقيق ذاته، وإشباع غرائزه، وإيثار مصالحه، فيبني مجده على أنقاض الآخرين، وغناه على إفقارهم، ويبني سعادته على شقائهم، ويظل كذلك في غفلته، ممعناً في طغيانه، حتى يوافيه الموت بغتة، فيواجه مصيره المجهول دون تنبه له، ولا استعداد، فيدفع ثمن غفلته، وجهله، وانحرافه، شقاءً أبدياً، يندم حين لا ينفع الندم، ويرجو الخلاص، ولات حين مناص، أما الإنسان العاقل فيبادر، ويسأل نفسه هذا السؤال، لماذا خُلقت؟ وما مهمتي في هذا الوجود؟ وما رسالتي في هذه الحياة؟ والقرآن الكريم يجيبه عن هذه الأسئلة قائلاً :

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)

[سورة الذاريات الآية : 56]

العبادة غاية المحبة لله و الطاعة له :

العبادة علة وجودنا، غاية سلامتنا، غاية سعادتنا، غاية تحقيق أهدافنا، العبادة غاية الخضوع لله عز وجل في أمره ونهيه، لأن الله هو الجهة الصانعة، و الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، قال تعالى :

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ)

[سورة البقرة الآية : 21]

أيها الأخوة، العبادة غاية المحبة لله، وغاية الطاعة له، لأن الإنسان قد جبل على حبّ ذاته، على حبّ وجوده، على حبّ سلامة وجوده، على حبّ كمال وجوده، على حبّ استمرار وجوده، وهذا لا يتحقق إلا بمشيئة الله وفضله،

فما عَبَدَ الله من خضع له ولم يُحبه، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يخضع له

أيها الأخوة، هناك من يعيش ليأكل، ومن يأكل ليعيش، أما المؤمن فيعيش ليعرف ربه، وليعبده، وليسعد بقربه، وقد ورد في الأثر القدسي :

يا عبادي إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستعين بكم على أمرٍ عجزت عنه، إنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً، وتذكروني كثيراً، وتسبحوني بكرة وأصيلاً

[ورد في الأثر]

و في حديث قدسي آخر:

ابن آدم خلقت لك ما في السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك

[ورد في الأثر]

التوبة بسبب ضعف الإنسان ونسيانه:

أيها الأخوة الأكارم،
قال الإمام علي رضي الله عنه

لقد رُكِّب الإنسان من عقل وشهوة

وقد جاء الإسلام وهو دين الفطرة ليقيم توازناً دقيقاً عن طريق المنهج الرباني الذي رُسم للإنسان من خلال آيات القرآن، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبما أن الإنسان مُنح حرية الاختيار، هناك دائرة التكليف، والابتلاء، ونفسه هي الأمانة التي حملها، وقد أعطي حرية الاختيار ليثمن عمله، فيكون هذا العمل الذي اختاره سبباً لدخوله روضات الجنات، أو قد يكون هذا الاختيار الخاطئ سبباً للتردي في حفر النيران، وبما أن الإنسان خُلق ضعيفاً، ليفتقر إلى الله في ضعفه، فيسعد بافتقاره، ومن لوازم ضعفه أنه ينسى ويسهو، ويغفل ويغفو، ويضعف ويُغلب، فقد يعصي ربه، وقد يخرج عن المنهج الذي رُسم له، لهذا شرع الله للإنسان التوبة.

التوبة كمخرج نجاة للإنسان :

وفي تشريع التوبة وقبولها صيانة لحركة الهداية في الأرض، إن التوبة مخرج النجاة للإنسان حينما تُحيط به خطيئاته، وهي صمام الأمان حينما تضغط عليه سيئاته، وهي تصحيح المسار حينما تُضلّه أهواؤه، وإنها حبل الله المتين الذي ينقذ الإنسان حينما تُغرقه زلاته.
من أكبر نعم الله علينا أنه فتح لنا باب التوبة:

وإذا رجع العبد العاصي إلى الله، نادى مناد في السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله

[ورد في الأثر]

قال بعض العارفين:

لأهل الذنوب ثلاثة أنهار يتطهرون بها في الدنيا، فإن لم تفِ بطهرهم طُهِّروا في نهر جهنم، النهر الأول في الدنيا نهر التوبة النصوح، والنهر الثاني نهر الحسنات المستغرقة للأوزار والسيئات، والنهر الثالث نهر المصائب العظيمة المُكفِّرة، فإذا أراد الله بعبد خيراً أدخله في الدنيا أحد هذه الأنهار الثلاث، فيأتي يوم القيامة طيباً طاهراً، فلم يحتج إلى التطهير الرابع.

وفي الحديث القدسي:

وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه، إلا ابتليته بكل سيئة كان عملها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه

[ورد في الأثر]

فإذا وصل أحدنا إلى شفير القبر وقد طهره الله من كل خطيئة، كان من أكبر الناجحين في الحياة،

يا بني ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيم دون الجنة محقور، وكل بلاء دون النار عافية

أيها الأخوة الكرام، تصوروا لو لم تُشرع التوبة لهلك الناس، ولعمّ الفساد في الأرض، لأن الإنسان إذا طُرد من رحمة الله، لمجرد معصية واحدة، فلن يرجع إلى منهج ربه لانعدام الأمل في القَبول، ولِمَ يرجع وقد طُرد من رحمته؟ عندئذ سيعربد في الأرض انحلالاً، وانحرافاً، وطغياناً.

من معاني التوبة :

1. الرجوع إلى الله عز وجل :

img رأى بعض العارفين في بعض سكك المدينة باباً قد فُتح، وخرج منه صبي يستغيث، ويبكي، وأمه خلفه تطرده، حتى خرج فأغلقت الباب في وجهه، ودخلت فذهب الصبي غير بعيد ثم وقف مفكراً، فلم يجد له مأوى غير البيت الذي أخرج منه، وجد الباب مُرتجاً، أي مغلقاً، فتوسده ووضع خده على عتبة الباب، ونام، فخرجت أمه فلما رأته على تلك الحال لم تملك إلا أن رمت بنفسها عليه، والتزمته تقبله، وتبكي وتقول: يا ولدي أين تذهب عني؟ ومن يؤويك سواي ؟ ألم أقل لك لا تُخالفني؟ ولا تحملني بمعصيتك على خلاف ما جُبلت عليه من الرحمة بك والشفقة عليك وإرادة الخير لك؟ ثم أخذته ودخلت، هذا مثل تقريبي،
والآن نتأمل قول النبي صلى الله عليه وسلم :

للهُ أرحم بعبده من الأم بولدها

[البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه]

حقيقة التوبة الرجوع إلى الله عز وجل، ولا يصح الرجوع إلى الله إلا بمعرفة الله، بمعرفته موجوداً وواحداً وكاملاً، هو الذي خلق، هو الذي يربي، هو الذي يسير، صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى.
معرفة الله أحد أكبر أسباب الرجوع إليه، ومعرفة أنه كان فارًّاً من ربه، لكنه أسيراً في قبضة عدوه الشيطان، وأنه ما وقع في مخالب عدوه إلا بسبب جهله بربه، وجرأته عليه، فلا بد من أن يعرف كيف جهل؟ ومتى جهل؟ وكيف وقع أسيراً؟ ومتى وقع؟
التوبة في معناها الأول الرجوع إلى الله عز وجل.

2. التخلص من العدو والرجوع إلى الكريم الرحمن الرحيم :

والتوبة هي التخلص من العدو، والرجوع إلى الكريم الرحمن الرحيم، والسير على صراطه المستقيم.

3. خلعُ ثياب المعصية وارتداء ثياب الطاعة :

التوبة خلعُ ثياب المعصية، وارتداء ثياب الطاعة.

4. ترك المحظورات وفعل المأمورات :

التوبة ترك المحظورات وفعل المأمورات، والتزام فعل ما يحب الله، وترك ما يكره، وقد علّق الله سبحانه وتعالى الفلاح كله، الفلاح هو النجاح في الدنيا والآخرة معاً على فعل المأمور، وترك المحظور، فقال تعالى:

(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)

[سورة النور الآية : 31]

فكل تائب مفلح، وكل تارك الأمر ظالم لنفسه أشد الظلم، وفاعل المحظور ظالم لنفسه أشد الظلم، قال تعالى :

(وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)

[سورة الحجرات الآية : 11]

فرح الله عز وجل بتوبة عبده المؤمن :

التوبة حقيقة الدين، والدين كله داخل في التوبة، لهذا استحق التائب أن يكون حبيب الله، قال تعالى :

(إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)

[سورة البقرة الآية : 222]

ولذلك يفرح الله الفرح العظيم بتوبة عبده المؤمن، فقد ورد في الحديث الشريف:

إنّ الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد

[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

وهذه التشبيهات الثلاث من أبلغ التشبيهات،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

للَّه أشدُّ فرحاً بتوبة عبده المؤمن، من رجل في أرض دَوَّيةٍ – لا نبات فيها – مَهَلكَةٍ، معه راحلته عليها طعامه وشرابه، فنام، فاستيقظ وقد ذهبت فطلبها حتى أدركه العطش، ثم قال : أرجعُ إلى مكاني الذي كنت فيه، فأنام حتى أموت، أيقن بالهلاك، فوضع رأسه على ساعده ليموت فاستيقظ وعنده راحلته، عليها زاده وطعامه، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده المؤمن من هذا براحلته وزاده

[متفق عليه واللفظ لمسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه]

أراد الله أن يبين لنا كم يفرح الله فرحاً عظيماً إذا عدنا إليه، إذا رجع العبد العاصي إلى الله، نادى منادٍ في السماوات والأرض أن أيتها الخلائق هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله .

التوبة علم وحال وعمل :

أيها الأخوة الكرام، التوبة كما يرى الإمام الغزالي علم وحال وعمل.

أولاً: التوبة علم:

إنها علمُ، لأن أول مرحلة في حلِّ أية مشكلة أن تعلم أن هناك مشكلة، وإن أول مرحلة في التوبة من الذنب أن تعلم أن الذي تقترفه هو ذنب، إذا تفقهت في الدين عرفت طاعتك من ذنوبك، بل عرفت ذنوبك من طاعتك، فلا بد من علم كي تعرف أن هذه الصفقة محرمة في دين الله، وأن هذه البضاعة محرمة، وأن هذا اللقاء محرم، وأن حضور هذه الحفلة محرم، كيف تعرف أنك مخالف للشريعة؟ ينبغي أن تعرف الشريعة، فلذلك طلب العلم شرط أساسي للتوبة.
كيف يتوب المرء من الشرك الخفي، أو من الشرك الجلي، وهو لا يعلم ما الشرك؟ وما التوحيد؟ ولا كيف يصل إلى التوحيد؟ ولا كيف ينزلق في الشرك؟ وهو لا يعلم ما التوحيد؟ لا بد من طلب العلم، كيف يتوب المرء من سوء الظن بالله؟ قال تعالى :

(وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا)

[سورة الفتح الآية : 6]

img أيها الأخوة، هذا الذي لم يبذل جهداً، ولم يُخصص وقتاً لمعرفة الله، ومعرفة أسمائه، أسماء ذاته، وصفاته، وأفعاله، كذلك لا يعرف مصادر المعرفة، ولا منهج المعرفة، كيف يتوب المرء من سوء الظن بالأنبياء والمرسلين الذين اصطفاهم الله من خيرة خلقه، وطهرهم، وزكاهم، وعصمهم، وجعلهم أسوة حسنة، وقدوة صالحة، ومثلاً أعلى لخلقه؟
كيف يتوب المرء من هذا الذنب، وهو لم يسأل الراسخين في العلم، عن حقيقة عصمتهم، وسرّ مواقفهم، وتأويل الآيات المتشابهة عنهم؟
وكيف يتوب المرء من كسب المال الحرام، وهو لا يعرف حدود الحلال والحرام، ولا حقيقة الربا، ولا شروط البيع، ولا ما يلابسه من حالات تجعله فاسداً أو باطلاً، كما لا يعرف طرق الكسب المشروعة وغير المشروعة، وقد قال بعض العلماء :

ترك دانق من حرام خير من ثمانين حجة بعد حجة الإسلام

قد يكون الدخل كله حراماً وقد تكون المتاجرة بهذه المادة حراماً.
كيف يتوب من الذنوب المتعلقة بإنفاق المال، وهو لا يعرف الحقوق والواجبات، ولا الحلال والحرام، ولا قيمة المال في الإسلام، ولا دوره الخطير في صون العرض والتقرب إلى الرب؟
وكيف يتوب المرء من ذنب البغي على الشريك، وهو لا يعلم متى يكون عقد الشركة صحيحاً، ومتى يكون فاسداً أو باطلاً؟ كذلك لا يعلم أن الله ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه .
وكيف يتوب المرء من ذنوب العلاقات الاجتماعية، ولا سيما الاختلاط، وهو لا يعرف آداب الإسلام وأخلاق المسلم، كما بينها النبي صلى الله عليه وسلم؟
كيف يتوب المرء من ذنب عقوق الوالدين، والجور في معاملة الأبناء، وهضم حقوق الزوجة، وحرمان البنات من الميراث، وهو لا يعلم أوامر الله ونواهيه في كل ما يتعلق بالأسرة؟
كيف يتوب المرء من الكذب، والتدليس، والغش، والاحتكار، ورفع الأسعار، وهو لا يعلم ما عند الله عز وجل من عظيم الإكرام إذا هو نفع عباده، وخفف عنهم أعباء الحياة، ولا يعلم ما عند الله من شديد العقاب إذا هو أكل أموالهم بالباطل؟
قال النبي صلى الله عليه وسلم :

الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله

[أخرجه أبو يعلى عن أنس بن مالك]

أيها الأخوة، هذا على سبيل الاصطفاء لا على سبيل الاستقصاء، لا بد من أن تطلب العلم لتعرف ما إذا كنت مذنباً أو غير مذنب،

ما من مشكلة يعاني منها المجتمع البشري إلا بسبب الخروج عن منهج الله، الذي ارتضاه الله لعباده، وما من خروج عن هذا المنهج إلا بسبب الجهل، والجهل هو أعدى أعداء الإنسان، الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به

ثانياً: التوبة حال:

img

التوبة علم، وحال، وعمل، العلم بالله، والعلم بأمره، والعلم بأخطار الذنوب، وما يفوِّت على المرء من خير كثير، وما يجلب له من ضُر كبير، إن العلم بخطورة الذنب، وما يترتب عليها من آثار وبيلة تبدأ في الدنيا، وتمتد إن لم يتب إلى الآخرة، إن هذا العلم يُولِّد حالة نفسية مؤلمة وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها الندم، فقال :

الندم توبة

[رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود]

إن طلبت العلم عرفت ما إن كان الدخل حلالاً أو حراماً، ما إذا كان هذا الزواج صحيحاً أو فاسداً، ما إذا كانت هذه الحرفة مقبولة أو مرفوضة.
أيها الأخوة، قال العلماء:

لا يخلو الندم من علم سبَّبه أو عمل أورثه

وربما وضّحت قصة سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ مع المرأة المرضع، حالة الندم هذه، قال عبد الرحمن بن عوف ـ رضي الله عنه ـ: قدمت المدينة قافلة نزلت في المُصلى، فقال لي عمر: هل لك أن نحرسهم الليلة؟ فبتنا نحرسهم، ونصلي ما كتب الله لنا من الصلاة، سمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه، وقال لأمه: اتقِّ الله، وأحسني إلى صبيك، ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه ثانية، فعاد إلى أمه فقال: اتقِّ الله، وأحسني إلى صبيك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاءه فأتى أمه فقال: ويحك ما لي أرى ابنك لا يقرُّ هذه الليلة؟ قالت: يا عبد الله، قد أضجرتني هذه الليلة، ما شأنك بنا إني أجبره على الفطام فيأبى، قال: ولِمَ ؟ قالت: لأن عمر لا يفرض العطاء ـ أي التعويض ـ إلا للفطيم قال: وكم له؟ قالت: كذا وكذا شهراً، قال: ويحك لا تعجلي عليه، ثم صاح مخاطباً نفسه، والألم يعتصر قلبه: ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين؟ فلما صلى الفجر ما استبان الناس قراءته من شدة بكائه، ثم أمر منادياً فنادى: لا تعجلوا على صبيانكم في الفطام، فإنا نفرض عطاء لكل مولود في الإسلام، وكتب بهذا إلى الآفاق .
وقد سُمع عمر ـ رضي الله عنه ـ وهو يصلي بالليل في المسجد، يُناجي ربه ويقول: يا ربِّ هل قبلت توبتي فأهنِّئ نفسي أم رددتها فأعزيها ؟
التوبة علم، وحال، وعمل ، لا بد من أن تطلب العلم حتى تعلم ما إن كانت حرفتك مقبولة عند الله أو غير مقبولة، لا بدّ من أن تطلب العلم حتى تعلم أن طريقة شراء هذه الصفقة حلال أو حرام.

ثالثاً: التوبة عمل :

أيها الأخوة، حالة الندم يولدها العلم، والعلم يولد الإرادة، والإرادة تنتهي بالعمل، التوبة عملية معقدة، يجب أن تطلب العلم كي تعرف أين أنت من الشرع؟ أين دخلك؟ أين إنفاقك؟ أين أسرتك؟ أين بناتك؟

1. في الحاضر:

فالتائب يترك الذنب الذي كان متلبساً به في الحال، ويقلع عنه، إذ تستحيل التوبة مع مباشرة الذنب، وحينما يعرف المرء من هو الآمر، إنه خالق السماوات والأرض، وهو على كل شيء وكيل، ومن إليه يُرجع الأمر كله، وإليه المصير، حينما يعرف المرء أن سعادته في الدنيا والآخرة، متوقفة على فعل أوامره، وترك نواهيه، وحينما يعرف المرء كل هذا يقلع عن الذنب لتوه.

2. المستقبل:

أما الفعل المتعلق بالاستقبال، فهو العزم الصادق الأكيد على ألا يعود إلى مقارفة الذنب، كما يكره الإنسان أن يُلقى في النار،
وقد فسَّر سيدنا عمر ـ رضي الله عنه

التوبة النصوح بأن يتوب العبد من الذنب، ثم لا يعود إليه كما لا يعود اللبن إلى الضرع

وقد قال سعيد بن المسيب:

التوبة النصوح توبة تنصحون بها أنفسكم

3. الماضي:

أما الفعل المتعلق بالماضي
• فهو الاستغفار، إذا كان الذنب بين العبد وربه،
• والإصلاح إذا كان الذنب متعلقاً بحق آدمي، فإن

حقوق العباد مبنية على المشاححة، بينما حقوق الله مبنية على المسامحة

لابد للتائب من أن يخرج من هذا التعلق إما بأداء الحق إلى صاحبه، أو إلى ورثته، أو بالتصدُّق عنه، أو باستحلاله منه، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :

من كانت لأخيه عنده مظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن تؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم يكن له عمل أخذ من سيئات صاحبه فجعلت عليه .

[رواه البخاري عن أبي هريرة]

لذلك، قال تعالى :

(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

[سورة النور الآية : 5]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: خطبة الجمعة – الخطبة 1151 : خ1 – التوبة وحقيقتها ، خ 2 – حماية البيئة من التلوث.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2010-05-07 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس