بيعة العقبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحياة دون عمل صالح وقت ضائع وعيش تافه:

أيها الإخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، بيعة العقبة الثانية، ولكن قبل أن نبدأ في الحديث عن هذه البيعة يمكن أن نقول:
إن الإنسان حينما يسمح الله له أن يكون علَماً من أعلام الدعوة، أو حينما يكون جندياً من جنود الحق، أو حينما يكون أداة للخير، فهذا أعظم عطاء لله عز وجل.
ورد في الحديث القدسي:

أنا خلقت الخير والشر، فطوبى لمن قدرت على يده الخير، وويل لمن قدرت على يده الشر

[رواه الطبراني في الكبير عن ابن عباس]

إن هذا الإسلام العظيم الذي انتشر في الخافقين، والذي يعد المسلمون اليوم ملياراً وخمسمئة مليون، بداية هذا الدين من بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية، فالذين كانوا في هذه البيعة أو في تلك هم أعلام الأمة، فما لم يكن لك دور في بناء هذا الدين، أو في نشر هذا الحق فحياة الإنسان عندئذٍ تافهة لا معنى لها، ولو كان غنياً، ولو كان قوياً، لأن الموت ينهي كل شيء، ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، وصحة الصحيح، ومرض المريض، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم.
إنّ الله عز وجل أعطى المال لمن لا يحب ولمن يحب، أعطاه لقارون، وهو لا يحبه، أعطاه لسيدنا عثمان، وهو يحبه، إذاً ليس المال مقياساً، أعطى المُلك لمن يحب، ولمن لا يحب، أعطاه لفرعون وهو لا يحبه، إذاً ليس الملك مقياساً، لكن كما قال الله عز وجل:

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)

[سورة يوسف]

فإذا كان نصيبك من الله علم وحكمة فهذا من نوع عطاء الله لأنبيائه ولأحبابه ولأوليائه، فانظر ما العطاء الذي خصك الله به.
أيها الإخوة، حديث شريف يقصم الظهر، يقول عليه الصلاة والسلام:

بَادِرُوا بالأَعْمَالِ سَبْعاً، هَلْ تُنْظَرُونَ إِلاّ إِلّا فَقْرًا مُنْسيًا، أَوْ غِنًى مُطغيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِداً، أَوْ هَرَمًا مُفْنِدًا، أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا، أَوْ الدّجّال، فَشَرّ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ، أَوْ السّاعَةِ ؟ فالسّاعةُ أَدْهَى وَأَمَرّ

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

هذا الكلام أيها الإخوة أسوقه لكم لنعلم علم اليقين أن حياة من دون عمل صالح حياة تافهة، والذي يقدم على الله من دون عمل صالح لا يقيم الله له يوم القيامة وزنا، بل له عند الله صغار، لأنه أمضى حياته في مصالحه وشهواته ونزواته، لذلك لما قرأت عن بيعة العقبة الثانية وجدت هؤلاء الذين حضروها هم عماد هذا الدين، كلٌّ ركنٌ ركين.

بيعة العقبة الثانية:

أيها الإخوة، في العام التالي الذي تلا بيعة العقبة الأولى قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم من مسلمي الأوس والخزرج 73 رجلاً وامرأتان، وترون أن النساء كن في البيعة الأولى وفي بيعة العقبة الثانية، فالمرأة كما هو ثابت مساوية للرجل في التكليف والتشريف والمسؤولية وهي شبه الرجل عند الله، لكن للمرأة خصائص، وللرجل خصائص، وخصائص كل منهما كمال مطلق للمهمة التي أنيطت بهما.
فبايعوه بيعة العقبة الثانية، وقد بينت لكم في اللقاء السابق أن الحياة الدنيا دار تكليف، لا دار تشريف، ودار عمل لا دار أمل، ودار دفع ثمن الآخرة، فلذلك هذه البيعة التي بايع بها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نبيهم من نوع بيع النفس.
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ)

[سورة التوبة الآية: 111]

المؤمن باع نفسه لله، أعطى من ماله، أعطى من وقته، أعطى من جهده، أعطى من خبرته، أعطى من صحته، من أجل أن يسعد في الدار الآخرة إلى أبد الآبدين.
إذاً: بايعوه أن يمنعوه إذا قدم عليهم، الآن هناك تفاصيل، إذا قدم عليهم، وهاجر إليهم بايعوه، أي منعوه مما يمنعون منه نسائهم وأبناءهم وأنفسهم.

الجماعة المؤمنة رحمة والفرقة عذاب:

إن المؤمن يعيش في جماعة، ومن نظلم الجماعة أن الكل للواحد، والواحد للكل، وأنتم قد لا تشعرون بقيمة الجماعة، لأن انتماء الإنسان في هذا الأيام إلى نفسه، همه بيته فقط، همه أولاده، همه دخله، لا يهتم بشأن المسلمين، وكلما نمت روح الجماعة في مجتمع ما، كان هذا المجتمع أقوى وكان أقرب إلى الله،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

يدُ اللهِ مع الجماعة

[رواه الترمذي عن ابن عباس]

وقال صلى الله عليه وسلم في رواية أخرى:

يد الله مع على الجماعة من شذ شذ في النار

[رواه الحاكم عن ابن عمر]

وقال صلى الله عليه وسلم:

عَلَيْكُمْ بِالْجَماعَةِ، وَإِيّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ، فَإِنّ الشّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ

[رواه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في المستدرك عن عمر]

وقال صلى الله عليه وسلم:

فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية

[رَوَاهُ أبُو دَاوُد عن أبي الدرداء]

فوعدوه على أن يمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأنفسهم ، وهذه البيعة هي نقطة التحول الكبرى في تاريخ الدعوة، حيث أصبح للإسلام دار يمكن أن يتخذ قاعدة للانتشار، وهو ما حصل بالفعل، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة.

بيعة العقبة الثانية تحوُّلٌ كبير في الدعوة إلى الله:

إخوتنا الكرام، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم في مكة المكرمة مُنعوا أن يجابهوا أحداً:
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ)

[سورة النساء الآية: 77]

لم يكن هناك إذن في مكة المكرمة أن يجابه المسلمون أحداً، مع أن قريشاً بالغت في التنكيل بهم، وفي تعذيبهم، وفي مقاطعتهم، وبأعمال لا تحصَى، ومع ذلك التوجيه القرآني، وتوجيه النبي عليه الصلاة والسلام يمنع أن تكون هناك مواجهة بين المسلمين في مكة، وبين أعدائه، وقد يسأل أحدكم: لماذا ؟ لأن البيت الواحد فيه مسلم، وفيه مشرك، فلو سُمح بالمواجهة لكانت حرباً أهلية، المسلمون في مكة ليس لهم كيان، مؤمنون متفرقون يجمعهم النبي عليه الصلاة والسلام، لكن ليس لهم كيان، لذلك كانت بيعة العقبة تحولاً كبيراً في الدعوة إلى الله، صار هناك مكان يضم المسلمين، ثم صار هناك كيان، ثم صار هناك مجتمع، وعلى رأس هذا المجتمع رسول الله، عندئذٍ لما كان هناك كيان مستقل له قيادة مؤمنة،
قال تعالى:

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)

[سورة الحج]

لذلك هذه البيعة كما قلت قبل قليل: كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ الدعوة، حيث أصبح للإسلام داراً يمكن أن يتخذ قاعدة للانتشار، وهو ما حصل بالفعل، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه بالهجرة إلى المدينة.

تفاصيل بيعة العقبة الثانية ومعانيها:

الآن يحدثنا الصحابي الجليل كعب بن مالك الأنصاري عن تفاصيل بيعة العقبة الثانية فيقول:

خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة من أوسط أيام التشريق

اليوم الأول من أيام عيد الأضحى المبارك في يوم النحر، والأيام الثلاثة اسمها أيام التشريق، فهذه البيعة كانت في أوسط أيام التشريق،

فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسلل تسلل القطا مستخفين

الإسلام ضعيف، سيد الخلق لن يستطع أن يعدهم في وضح النهار، بعد ثلث الليل، وخرجوا متخفين ـ

حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن 73 رجلاً، ومعنا امرأتان من نسائنا، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم

إنّ الأمر في البدايات صعب، لكن من لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة، وقد تدخل على إنسان حصل علماً عالياً، ودرس 44 سنة، ولم ينم الليل، ولم يعرف طعم الحياة، بعد هذه الدرجة العلمية العالية جداً قد يأتيه دخل كبير، وقد يحظى باحترام كبير، هذه المكانة وهذا الدخل من هذه السنوات الطويلة التي أمضاها في طاعة الله، فمن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة،

حتى جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم، معه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دين قومه

كما ترون علاقات القرابة لها شان كبير في الدعوة،
لذلك قال تعالى:

(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)

[سورة الشعراء]

حتى جاءنا النبي صلى الله عليه وسلم، معه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذٍ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه، وأن يتوثق له، فلما جلس كان أول المتكلمين العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج ـ وكانت العرب إنما يسمون الحي من الأنصار الخزرج ـ قال: يا معشر الخزرج، إن محمداً منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، منعنا محمداً من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز في قومه، ومنعة في بلاده، وإنه قد أبى إلا الانحياز لكم، واللحاق لكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه، ممن خالفه فأنتم، وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه، وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن فدعوه فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده

هذا يعلمنا أنك أيها الأخ في كل أعمالك كن واضحاً، كن واضحاً في البداية ، وضح كل شيء، وبيّن كل شيء، واستفهم عن كل شيء، كلما كان الأمر واضحاً في البداية كان ناجحاً في النهاية، لذلك أكثر المشكلات التي تتفاقم بين الناس، لأن البداية ليست واضحة، لذلك قيل:

الجهالة في الإِسقاط لا تفضي إلى المنازعة

فالعباس بن عبد المطلب قال كلاماً دقيقاً وواضحاً،
مرة ثانية: في عقد الشراكة وضح كل شيء، في عقد البيع وضح كل شيء، في أي اتفاق، أو أي بيع، أو أي شراء، أو أي عمل، كن واضحاً في البداية تسترح في النهاية.

فقلنا له: لقد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.

قضية أن تكون خادماً للحق، أن تكون جندياً للحق، أن تكون جندياً للحق، أن تسخر إمكاناتك للحق، أن تسخر وجاهتك للحق، هذا مقام كبير عند الله، الآية الكريمة التي خاطب الله سيدنا موسى عليه السلام:

(وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي)

[سورة طه]

قال: فلتكلم النبي عليه الصلاة والسلام فتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام، ثم قال:

أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم

فقد دخل النبي عليه الصلاة والسلام في حلف معهم، يمنعونه من خصومه كما يمنعون نساءهم وأبناءهم،

فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم والذي بعثك بالحق نبياً لنمنعك مما نمنع منه أزواجنا، فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحروب، وأهل الحلق، ورثناها كابراً عن كابر، قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إننا بيننا وبين الرجال حبالاً، ـ أي اليهود الذين كانوا في المدينة ـ حبالاً وإنا قاطعوها، فهل عفيت إن نحن فعلنا ذلك، أيْ قطعنا علاقاتنا مع اليهود، وانضممنا إليك، فهل عفيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك، وتدعنا

هل يمكن هذا ؟!
أرأيتم إلى هذه الصراحة، وإلى هذه الجرأة، وإلى هذا الأدب، وإلى هذا الاستفهام وإلى ذاك التوضيح ؟
مرة ثانية: إن تسعين بالمئة من مشكلات الشركاء ناتجة عن الجهالة، وعدم التوضيح والمخادعة، كن واضحاً.
إن أيّ كلام فيه جهالة، ضبابي، في تعمية، في مخاتلة تتفجر بعده الأحداث، هنا العباس بن عبد المطلب قال: هو في عز ومنعة، فإذا انحاز إليكم فهل أنتم مانعوه مما تمنعون منه نساءكم وأولادكم ؟ من الآن قولوا، وهذا الأنصاري بالمقابل قال: يا رسول، الله إن بيننا وبين القوم حبالاً، ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن أظهرك الله، ونصرك أن تدعنا، وأن تتركنا إليهم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الأوفياء، وسيد الأسخياء، وما عرف التاريخ أوفى من رسول الله،
فأجاب النبي فقال:

بل الدم الدّم، والهدم الهدم، أنتم مني، وأنا منكم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم

لذلك جاءت الأنصار عقب معركة حنين، حين أعطى النبي صلى الله عليه وسلم حديثي العهد بالإسلام الغنائم، بل معظم الغنائم، ولم يعطِ الأنصار شيئاً ، فوجدوا عليه في أنفسهم، وخافوا أنه إذا انتصر، وأظهره الله أن يعود إلى مكة، ولا يبقَى معهم،
فجاءه سيد الأنصار سعد بن عبادة، قال:

يا رسول الله، إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم من أجل هذا الفيء الذي وزعته، ولم يأخذ منه الأنصار شيئاً

فقال:

أين أنت يا سعد ؟

فقال سعد:

ما أنا إلا من قومي

فقال:

اجمع لي قومك

فجمع له الأنصار، وألقى كلمة تكتب بماء الذهب،
قال:

يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم، من أجل لعاعة تألفت بها قوم ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار، مقالة إن قلتموها صدقكم الناس، أما إنكم إن شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم به: أتيتنا مكذباً فصدقناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فأغنيناك

أرأيت إلى هذا الوفاء؟ وهو في قمة نجاحه، وقد دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها.

يا معشر الأنصار، ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي، ألم تكونوا عالة فأغناكم الله ألم تكونوا أعداء فألف بين قلوبكم، يا معشر الأنصار، أوجدتم علي في أنفسكم من أجل لعاعة تألفت بها قوماً حتى يسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم ؟

قال:

فبكوا حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظا

أيها الإخوة، هذه القصة أين مكانها في السيرة ؟ مع وفاءه أم مع رحمته ؟ أم مع تواضعه ؟ أم مع وضوحه ؟ أم مع حنكته في القيادة ؟ طوق الحادثة، وامتص النقمة، وأعلن عن وفائه للأنصار،

ولو سلك الأنصار شعباً، وسلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار

أنا لا أصدق أن في العالم كله إنسان أوفى من رسول الله،
قال:

بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنتم مني، وأنا منكم، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم

قال كعب، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومهم بما فيهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا، منهم تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس

هؤلاء النقباء هم نخبة، هؤلاء الذين بايعوا النبي عليه الصلاة والسلام،
وبعد هذه البيعة قام العباس بن عبادة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم:

والله الذي بعثك بالحق، إن شئت لنميلن على أهل مِنى غداً بأسيافنا، نحارب معك غدا

فقال عليه الصلاة والسلام:

لم نؤمر بهذا

كما قلت قبل قليل: هناك توجيه رباني ألا يواجه المسلمون أحداً في مكة،
فقال عليه الصلاة والسلام:

لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم

فرجعوا إلى رحالهم
في صباح اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم النبي صلى الله عليه وسلم ودعوتهم له بالهجرة، هم سألوا عامة أهل الخزرج، فقال المشركون: وحلفوا بالله بأنهم لم يفعلوا كذلك، هم سألوا أناساً ما حضروا بيعة العقبة، فأقسموا بالله أنهم ما فعلوا كذلك، أرأيت إلى قول الله عز وجل:

(إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا)

[سورة الحج الآية: 38]

وقد ورد في الحديث القدسي:

ما من عبد يعتصم بي دون خلقي أعرف لك من نيته فتكيده السماوات بمن فيها إلا جعلت له من بين ذلك مخرجا، وما من عبد يعتصم بمخلوق دوني أعرف ذلك من نيته إلا قطعت أسباب السماء بين يديه، وأرسخت الهوى من تحت قدميه

[أخرجه ابن عساكر عن كعب بن مالك]

فحلفوا أنهم لم يفعلوا ذلك،
إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ أحياناً الله عز وجل يحمي دعوة كبيرة جداً بشيء بسيط جداً، هذا الإسلام العظيم، وهذا الدين القويم الذي يدين له ثلث الأرض، كيف حماه الله في الغار ؟ بالعنكبوت، العنكبوت نسج، فاستنبطوا أن هذا الغار ليس فيه أحد، والدليل العنكبوت، لو كان فيه أحد لخرق هذا النسيج.
إن من تمام عظمة الله أن يكافئ عباداً بأقل الأشياء، وأضعفها، ويمكن أن يدمر إنساناً بأقل الأسباب.
وفي صباح اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ودعوتهم له بالهجرة، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا ذلك، والمسلمون ينظرون إلى بعضهم، وبذلك مرت هذه الأزمة بسلام، وعاد الأنصار إلى يثرب، وهم ينتظرون هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، والمسلمين بلهف كبير.
قال الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ)

[سورة التوبة الآيات: 38 ـ 39]

إذا دعيت إلى خير فبادر إلى فعل الخير، لأنك إن لم تبادر فسيأتي من يبادر:

(وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً)

[سورة التوبة الآية: 39]

إن لم تبادر فغيرك سيبادر، إن دعيت إلى عمل صالح، واعتذرت وتنصلت، وجئت بالحجج الواهية يأت غيرك، ويأخذ شرف هذا العمل، لذلك إذا دعي الإنسان إلى خير من تمام توفيقه ومن تمام عقله أن يسارع،
قال تعالى:

(وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ)

[سورة المطففين]

سورة المطففين

(لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ)

[سورة الصافات]

هذه بدايات الإسلام، وبدأ الدين غريباً، وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء،
كما قال عليه الصلاة والسلام:

أناس صالحون في قوم سوء كبير

وقد قال الإمام مالك:

لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها

صلح أولها بإخلاص لله، وصلح أولها بمحبة رسول الله، وصلح أولها بالتضحية بالغالي والرخيص، والنفس والنفيس، فما لم نعد سيرة السلف الصالح في التفافنا حول النبي صلى الله عليه وسلم فليس هناك من أمل أن نتقي كيد الكائدين، وعدوان المعتدين.
أيها الإخوة الكرام، حقيقة دقيقة جداً يقول الله عز وجل:

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)

[سورة الأنفال الآية: 33]

وهذه الآية إلى يوم القيامة، لكن في حياة النبي، ما دام شخص النبي بين ظهرانيهم فهم في مأمن من عذاب الله، ولكن بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الملإ الأعلى فلها معنى آخر:

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ)

أي أن سنتك مطبقة فيهم، إذا طبقنا سنة النبي صلى الله عليه وسلم فنحن في مأمن من عذاب الله.

(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)

[سورة الأنفال]

أما إذا لم نطبق، وخالفنا ثم ندمنا، واعتذرا واستغفرنا، أيضاً فنحن في مأمن آخر، نحن آمنون إذا طبقنا منهج النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن آمنون إذا استغفرنا الله بعد التقصير في تطبيقه.
والشيء الدقيق جداً أن الله عز وجل يقول:

(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)

[سورة آل عمران]

فعلامة محبة الله في قلبك أنك تتبع النبي عليه الصلاة والسلام.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (25-57) : بيعة العقبة الثانية
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-01-02 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس