معجزة انشقاق القمر

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام، مع موضوع جديد من موضوعات فقه السيرة النبوية، وقبل أن ننتقل إلى وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لا بد من أن نستكمل بعض الوقائع التي حصلت قبل الهجرة، من هذه الوقائع:
انشقاق القمر:
هناك جدل طويل حول هذه الآية، يا ترى وقعت أم لم تقع؟

خرق النواميس بين المعجزة والكرامة والضلالة:

بادئ ذي بدء، خرق النواميس، وخرق السنن إن كان هذا لنبي أو رسول فهو معجزة، وغير النبي إن جاء بخرق السنن فهو كرامة، وإن جاءت الظواهر غير مألوفة على يد ضال فهي ضلالة، خرق النواميس بين أن يكون معجزة، وبين أن يكون كرامة أو ضلالة.
الأنبياء مكلفون من قِبل الله عزوجل أن يتحدوا بالمعجزات أقوامهم، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما انتقل من مكة المكرمة إلى بيت المقدس، وعُرج به إلى السماء، وعاد إلى بيت المقدس، ثم عاد إلى مكة، ولا يزال فراشه ساخناً، كان يتمنى ألا يقول هذا للناس، لأنهم من دون هذه المعجزة لا يصدقون نبوته، لكن الأنبياء مكلفون من قِبل الله عزوجل أن يتحدوا بمعجزاتهم أقوامهم، لأن المعجزة هي شهادة الله للبشر أن هذا الإنسان الذي أجريت على يده رسول من عند خالق البشر.
أما السيدة مريم الصديقة فقد أنجبت غلاماً من دون أب، لأنها ليست نبية، هي كرامة، وإذا تعاون إنسي مع جني، وجاءوا بأخبار من غيب الحاضر فهذه ضلالة، إن كان الهدف تعميق الإيمان من قِبل إنسان ليس نبياً فهي كرامة، وإن كان الهدف خرق الناس عن الله عزوجل فهي ضلالة، ونحن ودققوا فيما سأقول: لسنا مكلفين أبداً أن نصدق كرامة لم يرد فيها نص صحيح، وإلا أصبح ديننا دين كرامات ومنامات، وضاعت معالم هذا الدين، ومن الثابت عند العلماء أن الولي الحق يستحي بكرامته كما تستحي المرأة لما لا تستطيع إظهاره، لكن الموقف الشرعي أن الكرامة ينبغي ألا تنكرها لأنها واقعة، وينبغي ألا تذكرها لأنك لست مكلفاً كوليّ أن تنطق بها، بل ينبغي أن تكتمها لأنها بينك وبين الله.
ولكن اسمعوا هذه الكلمة: إن أعظم كرامة على الإطلاق، ولا تحتاج إلى خرق العادات، إنها كرامة العلم،
قال الله تعالى في القرآن الكريم:

(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما)

[سورة النساء]

ولي مع هذه الآية وقفة متأنية، لو أن طفلاً قال لك: معي مبلغ عظيم لقدرته بـ200 ليرة، ولو قال مسؤول كبير في وزارة حرب دولة عظيمة: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً لقدرته بـ 200 مليار من عملتهم، فإذا قال ملك الملوك، وخالق السماوات والأرض:

(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيما)

فاعلم علم اليقين أن أعظم كرامة على الإطلاق هي كرامة العلم.

(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)

[سورة الزمر الآية: 9]

(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ)

[سورة المجادلة]

التفسير العلمي للأحداث و الإعجاز علمي، المعجزة نبوية

إخوتنا الكرام، هناك مصطلحات ثلاثة، هناك تفسير علمي، وهناك إعجاز علمي، وهناك معجزة نبوية، وكل مصطلح له حدوده وأبعاده.

أولاً: التفسير العلمي:

كُسفت الشمس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزامن هذا الكسوف مع موت إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابة الكرام بشكل عاطفي، وباندفاع لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ظنوا أن الشمس كُسفت لموت إبراهيم، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم وقف في أصحابه خطيباً وقال:

يَا أَيّهَا النّاسُ، إِنّ الشّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَان مِنْ آياتِ اللَّهِ، لا يُخْسَفَانِ لِمَوْتِ أحَدٍ، وَلا لِحياتِهِ

[رواه البخاري ومسلم عن عائشة رض الله عنها]

أي لا علاقة لكسوف الشمس لموت إبراهيم، ماذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم لظاهرة الكسوف؟ قدم تفسيراً علمياً.
ومرة كنت في العمرة، سمعت وأنا بمكة المكرمة أخباراً كثيرة عن أن ضياء يشع من قبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى كبد السماء، سمعت هذا مرات كثيرة، فلما وصلت إلى المدينة فيما بين المغرب والعشاء كان هناك درس في الفقه يلقيه عالم جليل توفي ـ رحمه الله تعالى ـ أنا استمعت لهذا الدرس، وفي نهاية الدرس قال:
حدثني أمير المدينة بأن إدارة الحرمين وضعت أشعة الليزر فوق قبر النبي عليه الصلاة والسلام لتهتدي الطائرات إلى مكان قبر النبي، وهي في أعالي الجو، هذا التفسير العلمي، والذي سمعته بمكة كان تفسيراً غير علمي، أنوار النبي صلى الله عليه وسلم تشق أطباق السماء، هي في الحقيقة أجهزة يشع منها أشعة الليزر.
إذاً عود نفسك أن تفسر التفسير العلمي، والنبي عليه الصلاة والسلام لأنه أمين على وحي السماء قال: لا، لا علاقة لكسوف الشمس بموت ابني، وكلما كنت ورعاً كنت أميناً على الدعوة إلى الله، لا تخلط الحقائق بالأوهام، ويجب أن تفسر الأمور تفسيراً علمياً.
لكن بالمناسبة، التفسير العلمي لا يعني أن تهمل التفسير التوحيدي، وقع زلزال، وللزلزال تفسير علمي، اضطراب في قشرة الأرض، من هو مسبب الأسباب؟ الله جل جلاله، ولا بد من حكمة ما بعدها حكمة من أفعاله جل جلاله، إذاً التفسير العلمي لا يتناقض مع التفسير التوحيدي.

ثانياً: الإعجاز العلمي:

أما الإعجاز العلمي فشيء آخر، الله عزوجل يقول في القرآن آية، ويوجد تفسير علمي لها الآن على ضوء الإكتشافات الحديثه مثلاً:

1. كأنما يصعّد في السماء:

حينما صعد رائد فضاء إلى الفضاء الخارجي، بعد أن تجاوز طبقة الهواء التي يزيد سمكها عن 65 ألف كم، بعد أن تجاوز رائد الفضاء هذه الطبقة صاح بأعلى صوته: لقد أصبحنا عمياً، لأن أشعة الشمس حينما تُسلط على ذرات الهواء ذرات الهواء تعكسها على ذرات أخرى، فيكون ما يسمى انتثار الضوء، فأنت في الأرض ترى مكاناً فيه ضوء واضح، ومكان فيه أشعة شمس، أما إذا ألغي الهواء ألغي انتثار الضوء، فلما تجاوز رواد الفضاء طبقة الهواء ما رأوا إلا ظلاماً دامساً، فقال أحدهم، وكان ثمة عالم ذرة كبير مصري في قاعدة انطلاق هذه المركبة بفلوريدا سمع بأذنه قول رائد الفضاء: ” لقد أصبحنا عمياً “، هذا إعجاز علمي لماذا؟
لأن قوله تعالى:

(وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ)

[سورة الحجر]

متى كان هذا؟ حديثاً، بعد 1400 عام، الآية متى نزلت؟ قبل 1400 عام معنى ذلك أن الذي خلق الأكوان هو الذي أنزل هذا القرآن.
الإعجاز العلمي يعني أن معنى الآيات الكونية لا يمكن أن تعرف وقت نزول الوحي، لكنها عرفت في وقت متأخر جداً،

2. سرعة الضوء في القرآن والعلم الحديث:

النظرية التي جاء بها انشتاين، والتي أحدثت انعطافاً خطيراً في مفاهيم الحركة والضوء والسرعات، هذه النظرية التي اسمها النظرية النسبية، والتي تؤكد أن السرعة المطلقة في الكون هي سرعة الضوء، وأننا افتراضاً إذا سرنا مع الضوء توقف الزمن
هذا الدرس، فيه منبع ضوئي، ونحن نعكس بوجودنا هنا هذه الموجات الضوئية، نعكسها كموجات تنطلق نحو الفضاء الخارجي، فإذا قُدر لإنسان أن يركب مركبة سرعتها كسرعة الضوء يجب أن يرى هذا المنظر إلى مليون عام قادم، ونحن بعد أعوام لا تزيد على مئة نكون جميعاً تحت التراب، إذا سار الجسم مع الضوء توقف الزمن، لو قُدر لنا أن نركب مركبة تسبق الضوء يجب أن نرى معركة بدر، كما هي، ومعركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة القادسية، واليرموك، إذا سبقنا الضوء تراجع الزمن، فإذا قصرنا عن الضوء تراخى الزمن، هذه النظرية التي قلبت مفاهيم الفيزياء في هذا العصر وردت في كلمات عدة في آية واحدة،
قال تعالى:

(وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ)

[سورة الحج]

والعرب الذين خوطبوا بالقرآن يعدون السنة القمرية، والقمر يدور حول الأرض دورة كل شهر، الآن:
لو أخذنا مركز الأرض ومركز القمر، ووصلنا بينهما بخط، ما هذا الخط؟ القمر يدور حول الأرض، أخذنا مركز الأرض ومركز القمر، وصلنا بهما بخط هذا الخط هو نصف قطر الدائرة الذي هو مسار القمر حول الأرض، كيف نعرف طوله؟ المسافة بين الأرض والقمر، زائد نصف قطر الأرض، زائد نصف قطر القمر ضرب اثنين القطر، ضرب 14, 3، المحيط، ضرب اثني عشر، ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في عام، ضرب ألف، ألف عام، يمكن لطالب من طلاب المرحلة الثانوية أن يأخذ البعد بين الأرض والقمر مع نصف قطر الأرض، مع نصف قطر القمر، ثم يضاعف هذا الرقم ويضربه في 14, 3، ثم في اثني عشر، ثم في ألف، أنا معي الآن رقم كبير جداً يساوي عدد كيلو مترات التي يقطعها القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام، واضح؟
قال تعالى:

(وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ)

ما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، لو قسمنا هذا الرقم على ثواني اليوم لكانت سرعة الضوء الدقيقة مئتين وتسعة وتسعين ألف، وتسعمئة واثنين وخمسين، فما يقطعه القمر في رحلته حول الأرض في ألف عام يقطعه الضوء في يوم واحد، إن أردنا أن نعرف سرعة الضوء في الثانية نقسم الرقم على ثواني اليوم 60 بـ 60 بـ 24، هذه النظرية العملاقة مدرجة في كلمات عدة في آية واحدة من آيات القرآن الكريم، واضح؟.

3. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ:

ثمة رجل ملحد سبب إلحاده أنه كان طالباً في المرحلة الثانوية، وجاءه أستاذ دين لم يرتح له هذا الطالب، فانتقد هذا الأستاذ أمام أبيه، أبوه كان متعصباً جداً، فطرده من المنزل، هذا الشيء وقع في مدينة اسمها سان فرانسيسكو في أمريكا، فلما طرد هذا الابن من بيت أبيه، لأنه انتقد أستاذ الديانة أعلن إلحاده، وأنكر الأديان كلها، لكنه كان يتمتع بذكاء ما بعده ذكاء، تابع دراسته، ووصل إلى الجامعة، ودخل كلية الرياضيات، ومن طرائف ما كان يروي أن أستاذه الكبير يقول له: اخرج من القاعة، ولك علامة تامة، لأنه كان يربك أستاذه، واعتنق الإلحاد، وأصبح من أكابر أساتذة الرياضيات في جامعة سان فرانسيسكو ، أستاذ لهذا الملحد الذي علمهم في الجامعة جاءته فتاة شرق أوسطية في أيام الصيف الحارة ، والفتيات في أمريكا شبه عرايا، هذه الفتاة محجبة حجاباً كاملاً، تُحضر دكتوراه في الرياضيات، القضية بالغة، فاستعان أستاذه بتلميذه، وأرسل هذه الطالبة إلى هذا الشاب الملحد الذي هو أستاذ الرياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، يقول هذا الأستاذ: أنا حينما نظرت إلى هذه الفتاة، وعلمت أنها شرق أوسطية، وهي محجبة حجاباً كاملاً قال: أنا غيرت نظرتي بفتيات الشرق الأوسط، دكتورة في الرياضيات، ومحجبة حجاب كامل، والفتيات شبه عرايا في أمريكا، يقول: أنا تهيبت أن أدقق في وجهها، ورأيتها قديسة، بل رأيتها تنطوي على قناعات لا تملكها معظم الفتيات، وتمنيت أن أقدم لها كل خدمة، لكنني في اليوم نفسه عكفت على قراءة القرآن، وأنا أبحث عن خرافة في هذا الكتاب أو عن خطأ علمي، لأنني لست مؤمناً بالأديان كلها، وصل إلى خطأ، هي قوله تعالى، طبعاً وصل إلى خطأ بتصوره:

(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ)

[سورة يونس الآية: 92]

يخاطب الله فرعون:

(لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً)

[سورة يونس الآية: 92]

له صديق حميم اسمه المسيو بوكاي من فرنسا، هذا رئيس المشرحة في باريس قال له: تقول لي دائماً إن الكتب المقدسة هي من عند الله تعالى انظر إلى هذه الآية:

(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)

[سورة يونس الآية: 92]

هذا من ستة آلاف عام، قال له: هذا الإنسان التي تحدثت عنه الآية جاءنا من مصر إلى باريس، واستقبل استقبال الملوك، ورممت أنا جثته وعندي صورته، فرعون، وآثار الملح في فمه، فرعون موسى الذي مات غرقاً لا يزال جسمه كما هو، وقبل سنوات عدة لعلها عشر سنوات أخذ إلى باريس كي ترمم جثته من بعض التعفنات، قال له: لا، هذا الذي قال عنه القرآن رممته بيدي، وهو في متحف مصر.
هذا الإنسان أستاذ الرياضيات بجامعة سان فرانسيسكو اسمه جفري لانك، وألف كتاباً، ووجهه لبناته، عنوانه: لماذا أسلمت، وهو الآن من كبار الدعاة الإسلاميين في أمريكا، ويوم كنت في أمريكا كان من المقرر أن ألتقي به، لكن مواعيد السفر تضاربت مع موعد اللقاء، وقد تُرجم كتابه إلى العربية، إنها رحلةٌ من الإلحاد إلى الإيمان.
لذلك سيدنا خالد حينما أسلم عاتبه النبي، كيف عاتبه؟ قال:

عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً

معنى ذلك أن كل الذي تفوق في فهمه، وفي إدراكه، وفي محاكمته، يجب أن يسلم، من هنا ورد في الأثر:

أن أرجحكم عقلاً، أشدكم لله حباً

[ورد في الأثر]

فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم:

(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)

[سورة فاطر الآية: 28]

ثالثاً: المعجزات: من معجزة الإسراء والمعراج:

أما معجزات الأنبياء فهذه موضوع ثالث لا علاقة لها لا بالأول ولا بالثاني، هي خرق لنواميس الكون، ولا يمكن أن تفسر وفق قوانين الكون،
لذلك قال تعالى:

(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)

[سورة الإسراء الآية: 1]

فالإسراء والمعراج لا يمكن أن يفسر وفق قوانين الأرض، هو خرق لقوانين الأرض وهو معجزة نبوية، هي في الحقيقة شهادة من الله، على أن هذا الإنسان رسول الله عليه الصلاة والسلام واضح المعجزة النبوية؟ هذه لا تفسر وفق قوانين الكون، بينما الإعجاز العلمي إشارة سابقة جداً إلى قضية عُرفت بعد حين، أما التفسير العلمي فعله النبي عليه الصلاة والسلام ويفعله تقليداً له كل داعية صادق.

الأدلة والنصوص على ثبوت انشقاق القمر:

الآن انشقاق القمر معجزة حسية، للنبي عليه الصلاة والسلام،

1. القرآن والسنة:

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:

انْشَقّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقَالَ لَنَا النبيّ صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا

وعن أنس رضي الله عنه قال:

إن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر

وعن أنس أيضاً قال:

إنّ أَهْلَ مَكّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُرِيَهُمْ آيةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرّتَيْنِ

فنزلت:

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)

[سورة القمر]

وعن عبد الله بن مسعود أنه قال:

بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِمِنىً، إِذَا انْفَلَقَ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ، فَكَانَتْ فِلْقَةٌ وَرَاءَ الْجَبَلِ، وَفِلْقَةٌ دُونَهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: اشْهَدُوا

وفي كتب الحديث ومؤلفات السيرة روت واقعة شق القمر على لسان عدد غير قليل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما،

2. كتب التاريخ غير الإسلامية:

لكن الذي يؤكد هذا أن كتب التاريخ الهندي والصيني تشير إلى حادثة انشقاق القمر، وقد أرَّخوا لها، والآن إلى تعليق معاصر.

3. التعليقات العلمية المعاصرة حول انشقاق القمر:

أيها الإخوة، في محاضرة بكلية الطب بجامعة كرديف، في مقاطعة ونز في غربي بريطانيا، من عدة سنوات قال أحد علماء مصر، وهو متفوق في موضوع الإعجاز العلمي، وجه له أحد الحضور من المسلمين سؤالا عن الآيات في مطلع سورة القمر:

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)

وهل تمثل هذه الآية ومضة من ومضات الإعجاز العلمي في كتاب الله؟ فأجبتُ: لأن هذه الواقعة تمثل إحدى المعجزات الحسية التي وقعت تأييداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مواجهة الكفار ومشركي قريش وإنكارهم لنبوته عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وأن المعجزات خوارق للسنن، وعلى ذلك إن السنن الدنيوية لا يمكن لها أن تفسر المعجزات الحسية التي جاء بها الأنبياء، ولولا ورودها في كتاب الله، وفي سيرة النبي عليه الصلاة والسلام ما كان علينا نحن المسلمين أن نؤمن بها،
نص الآية:

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ * وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ * وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ * حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ)

[سورة القمر]

يقول هذا الأستاذ: وبعد انتهاء حديثي وقف رجل بريطاني من الحضور واستأذن أن يضيف شيئاً على إجابتي، فأذنت له، ثم بدأ بتعريف نفسه، على أن اسمه داوود موسى بدكوك، وأنه مسلم، يرأس الحزب الإسلامي البريطاني، ثم أضاف:
إن هذه الآيات في مطلع سورة القمر كانت هي السبب في إسلامه، في أواخر السبعينات من القرن العشرين لأنه ببحث مستفيض في الأديان، كان يبحث بحثاً مستفيضاً عميقاً في الأديان كلها، إذ أهداه أحد المسلمين ترجمة لمعاني القرآن الكريم، وأنه فتح هذه الترجمة لا على التعيين، فإذا الترجمة تترجم تفسير قوله تعالى:

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ)

طبعاً عدّ هذه خرافة، فلما قرأ هذه الآيات أغلق التفسير المترجم باللغة الإنكليزية، ووضعه في مكان قصي، وانتهى الأمر، غير معقول، وأكبر خطأ أن تفهم المعجزات بعقلك، لأن عقلك مرتبط بنواميس الكون، والمعجزات في خلق الله تعالى، إن الله على كل شيء قدير، ثم شاء الله تعالى أن يشاهد هذا الإنسان الذي لم يكن مسلماً، الآن مسلم، أن يشاهد على شاشة التلفاز البريطاني ( بي بي سي ) برنامجاً عن رحلات الفضاء، استضاف فيه المذيع البريطاني المعرف جميس بلاك ثلاثة من علماء الفضاء، وذلك سنة 1978، الآن دققوا، وفي أثناء الحوار كان المذيع ينتقد الإسراف على رحلات الفضاء بإنفاق ملايين الدولارات، رحلة ( أبولو ) كلفت 25 مليار دولار، والأرض وأهل الأرض يتضورون جوعاً، وملايين البشر في أمس الحاجة إلى هذه الأموال الطائلة، والمرض والجهل والتخلف يعصفان بسكان الأرض، كان جواب العلماء الذين يحاورهم هذا المذيع: أنه بفضل هذه الرحلات تم تطوير عدد من التقنيات المهمة التي تطبق في مجالات التشخيص والعلاج الطبي والصناعة والزراعة وغيرها.
وبأثناء هذا الحوار جاء ذكر أول رحلة نزل فيها رجل على سطح القمر وقد كلفت أكثر من مئة مليار دولار، حينما هبط رجل على سطح القمر هذه الرحلة كلفت أكثر من مئة مليار دولار، وعندئذٍ جلس المذيع يتابع عتابه على هذا الإسراف، فقال العلماء: إن هذه الرحلة قد أثبت لنا حقيقة لو أنفقنا أضعاف هذا المبلغ لإقناع الناس بها ما صدقنا أحد، فسأل المذيع ما هي هذه الحقيقة؟ فأجابوا: إن هذا القمر قد سبق له أن انشق، ثم التحم، الموضوع ليس له علاقة إطلاقاً بالأديان، ولا بالإسلام، ولا بالقرآن، ندوة بين علماء الفضاء الثلاثة وبين مذيع في إذاعة بريطانيا، البي بي سي، وأجابوا أن هذا القمر قد سبق له أن انشق ثم التحم، وأن آثاراً محسوسة تؤيد هذا الحدث قد وجدت على سطح القمر ، وقد صورت هذه الآثار وأُرسلت إلى الأرض، وعرضت على علماء كبار من علماء الأرض، ومن دون استثناء أثبتوا جميعاً أن القمر كان قد انشق ثم التحم، فقال السيد بلكوك هذا الذي أهدي له ترجمة المصحف، فلما فتحه لا على التعيين، جاء على قوله تعالى:

(اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ)

وعدّ هذا خرافة، ووضع التفسير في مكان قصي، فقال السيد بلكوك: حينما سمعت ذلك قفزت من الكرسي الذي كنت أجلس عليه أمام التلفاز، وقلت: معجزة تحدث لمحمد قبل 1400 سنة، ويرويها القرآن بهذا التفصيل العجيب يسخر الله من يثبتها للمسلمين في عصر العلوم والتقنية الذي نعيشه، ويرصد هذا المبلغ الكبير؟! لا بد أن يكون هذا الدين حقاً، وعدت إلى ترجمة معاني القرآن الكريم أقرأها بشغف شديد، وكانت آيات افتتاح سورة القمر هي السبب المباشر لقبولي الإسلام ديناً،
لذلك قال تعالى:

(سَنُرِيهِمْ)

[سورة فصلت الآية:53]

من المتكلم؟ هو الله، من المخاطب؟ المؤمنون، يتحدث عن من؟ عن الكفار.

(سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ)

[سورة فصلت الآية:53]

لذلك:

(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)

[سورة فاطر الآية: 28]

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – فقه السيرة النبوية – الدرس (35-57) : الوقائع التي حصلت قبل الهجرة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2006-04-24 | المصدر
مترجم إلى: اللغة الفرنسية

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس