السيدة فاطمة الزهراء 3

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام… لا زلنا مع سيَر الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهم أجمعين، ومع سيرة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها.

محبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة وشدة تعلق السيدة فاطمة بأبيها:

أيها الإخوة الكرام… قضت فاطمة حياتها كلَّها، وهي تحت أنظار أبيها، كانت قريبةً من أبيها أشد القُرب، لم تغب عن لمحاته إلا ساعات خروجه من الدار، وقد كانت شديدة التعلق به، والاهتمام حتى كنيت: بأم أبيها، من شدة تعلق السيدة فاطمة بسيدنا رسول الله كنِّيت أم أبيها، أي كأنها أمٌ له من شدة محبتها، وتعلُّقها، وحرصها، وخدمتها.
وكان هو صلى الله عليه وسلم شديد التعلُّق بها أيضاً حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لما زوجها علياً أسكنها بيتاً ملاصقاً لحجراته الملاصقة لمسجده ـ فقد اختار للسيدة فاطمة بيتًا إلى جانب حجرته ـ وكان عليه الصلاة والسلام إذا عاد من غزواته أو من سفره ابتدأ أولاً ببيت ابنته فاطمة، ثم يطوف بعدها على بيوته ونسائه.
روى ابن عبد البر عن أبي ثعلبة قال:

كان عليه الصلاة والسلام إذا قدم من غزوٍ أو سفرٍ بدأ بالمسجد فصلى فيه ركعتين ثم يأتي فاطمة ثم يأتي أزواجه

وهذه السنة، تكريم البنت من السنة، فالحقيقة تكريم البنت يقوي مركزها عند زوجها، البنت الشرف معوان يحجزها عن مخالفة الشرع.

قرب مغادرة النبي للدنيا وإخباره صلى الله عليه وسلم لها بذلك:

قالوا: إنه لم يكن أحدٌ أشد حزناً على فراق رسول الله من فاطمة على الإطلاق سوى أبي بكرٍ رضي الله عنه.
وقد أدرك عليه الصلاة والسلام أنه على وشك مغادرة الدنيا، لذلك راح يمهد للسيدة فاطمة بإخبارها بأن أجله قد اقترب، لئلا تتفاجأ بالمصاب الذي لا تحتمله، أراد أن يبلغها.
وبالمناسبة لكرامة المؤمن عند الله يشعره بدنو أجله، النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل قوله تعالى:

(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً (3))

[سورة النصر]

هذه السورة فيها نعي النبي عليه الصلاة والسلام، كيف لا وقد قال الله عز وجل:

(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)

[سورة الزمر]

أي أنك لا بد أن تموت، هذه سنة الله في كل خلقه، والآية الثانية:

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)

[سورة آل عمران]

فمن شدة محبة الصحابة الكرام للنبي عليه الصلاة والسلام، ومن شدة تعلُّق السيدة فاطمة بأبيها، هذه الآيات تقرؤها، ولكن لم يخطر على بالها أنه سيموت، لذلك خشي النبي عليه الصلاة والسلام وقع المصاب الأليم على نفسها، فأخذ يسر لها ببعض الشيء عن رحيله من هذه الدنيا إلى عالم الآخرة، وأن ذلك قدر الله عز وجل..

(فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً)

[سورة فاطر]

الحقيقة حينما ألمت وعكةٌ شديدةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم في ليالٍ بقينَ من صفر في السنة الحادية عشرة للهجرة، ظن آل بيته والمسلمون أنها وعكةٌ طارئة، لا تلبث أن تزول، دون أن يفكر أحدٌ أنه مرض الموت، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام أسير مرضه لا يغادر فراشه، وكان المسلمون يعودونه في مرضه، وقلوبهم متعلقةٌ به، تأمُل له من الله تعالى الشفاء العاجل، وكان جميع أهله لا يتركونه، وهم في أشد لهجةٍ بالدعاء إلى الله عز وجل، أن يشفي رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين، وأخواتهما زينب، وأم كلثوم، وكل زوجاته الكريمات أخذن يسألن الله عز وجل أن يعافي نبيه صلى الله عليه وسلم.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا

فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا فَقَالَ

مَرْحَبًا بِابْنَتِي ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا

همس في أذنها

فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا

فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ

فَضَحِكَتْ فَقُلْتُ لَهَا خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُهَا

القائل هو عائشة

مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قَالَتْ

مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرَّهُ

قَالَتْ

فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

قُلْتُ

عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

فَقَالَتْ

أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى

فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ

أي يتلو أمامه القرآن مرة

وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ

استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن جبريل لما عارض أي تلا القرآن على النبي مرتين أنها السنة الأخيرة في حياته

فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ

قَالَتْ فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي سَارَّنِي الثَّانِيَةَ

فَقَالَ يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ

قَالَتْ فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ

[متفق عليه، واللفظ لمسلم]

هكذا عالج النبي عليه الصلاة والسلام وقع المصيبة على ابنته فاطمة قبل حصولها، رأفة منه عليها ورحمة.
كتعليق… أي إنسان تخبره أنك سوف تموت بعدي سريعاً. يضحك؟!! مستحيل، مستحيل لماذا ضحكت؟ لثقتها بما عند الله من إكرامٍ لها، الإنسان حينما ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة تسعده الدنيا، حينما ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة، حينما يقدم الأعمال الصالحة تلو الأعمال أسعد شيءٍ له أن يلقى الله عز وجل، لذلك المقياس دقيق، ربنا عز وجل خاطب اليهود:

(قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)

[سورة الجمعة]

المؤمن حينما يكون عمله صالحاً يتمنى لقاء الله، وحينما يكره لقاء الله يكون عمله سيئاً..

(وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)

[سورة الجمعة]

صار مقياس، الإنسان المستقيم الذي له أعمال صالحة، دخله حلال، إنفاقه حلال، بيته إسلامي لا توجد عنده مشكلة، لذلك يدعو الله عز وجل أن يكون من أهل الجنة.
ولقد بقيت فاطمة ترقب أباها على تخوِّفٍ، حتى إذا رأته بعد أيامٍ قد تحامل على نفسه يدور على نسائه أمهات المؤمنين كسابق عهده، راودها الأمل بشفائه.
بالمناسبة كل داء له دواء ـ اطمئن ـ وهذا الحديث يعطي الإنسان أمل كبير:

لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ

[صحيح مسلم: عن جَابِر]

المريض يتفاءل، والطبيب يشعر أنه مقصر إن لم يبحث عن الدواء، فحافز للطبيب أن أي مرض له دواء، وطمأنينة للمريض لا تقلق قالوا: إلا مرض الموت، مرض الموت ليس له حل، فإذا كان الله عز وجل كتب للإنسان أنه سيموت، وطبعاً سيكون هذا الموت بسبب مرض من الأمراض، هذا المرض يتم إلى أن ينتهي بالموت، فالإنسان يحضِّر حاله ؛ في أمراض تميل نحو الشفاء، في أمراض تميل نحو التفاقم إذاً هو مرض الموت.
راودها الأمل بشفائه، ولكنه لم يصل إلى بيت ميمونة أم المؤمنين حتى اشتد عليه وجعه، فأقام عندها وقتاً، ثم دعا زوجاته يطلب إليهن، ويستأذنهن في أن يمرض في بيت أم المؤمنين عائشة، فيبادرن إلى امتثال أمره ـ طلبه ـ وكانت كل واحدةٍ تأمل أن يكون مرضه في بيتها، تشريفاً لها.
وكانت فاطمة كثيراً ما تتردد على بيت عائشة، تقوم إلى جانب أبيها الذي أثقله المرض، تخدمه، وتسهر عليه مع عائشة، تشكو بثها، وحزنها إلى الله تعالى، وتتجمل بالصبر على قضاء الله تعالى وقدره، ولسانها يلهج إلى الله سبحانه بالدعاء أن يخفف عن رسوله آلام وجعه.
وفي فترات سكون الألم كان عليه الصلاة والسلام يخرج إلى المسجد فيصلي بالناس، وفي يوم الجمعة خرج عاصباً رأسه حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد ـ أي دعا لهم ـ واستغفر لهم، وأكثر من الصلاة عليهم ـ الآن دققوا ـ ثم قال:

إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ

ففهمها أبو بكرٍ وعرف أنه يريد نفسه فبكى، وقال:

يا رسول الله بل نفديك بأرواحنا وأولادنا وأنفسنا

فقال عليه الصلاة والسلام:

عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ

[متفق عليه عن أبي سعيد الخدري]

بالمناسبة أيها الإخوة في للنبي قول:

وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا مِنْ أُمَّتِي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ

[من صحيح البخاري: عن أبي سعيد الخدري]

ما في إنسان خدم رسول الله وأكرمه، وما أخطأ معه أبداً، النبي قال:

ما ساءني قط فاعرفوا له ذلك

كسيدنا الصديق ومع ذلك قال:

لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلا وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي وَقَدِ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلا

[من صحيح مسلم: عن َعبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُود]

لذلك من هو الحبيب؟ هو الله، إذا أحبك الله ألقى حبك في قلوب الخلق،

إذا أحبك الله خدمك أعداؤك، وإذا لم يحبك الله تخلى عنك أحبابك

فأيُّما إنسان أكرمه الناس، واحترموه، وأحبوه فهذه محبة الله، وإذا أهانوه، وقسوا عليه فهذا تأديب الله عز وجل، الأصل هو الله، إذا أحبك الله أحبك الخلق، وإذا أبغضك الله أبغضك الخلق، ألقى بغضك في قلوب الخلق، والطريق إلى الله سالك، والقُرب منه سهل، ولا شيء تتقرب به إلى الله كطاعته، وطاعته معروفة ؛ طاعته غير تعجيزية، هناك أشخاص يضعون لك شروطًا تعجيزية، طاعته سهلة..

(لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا)

[سورة البقرة: من آية 286]

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)

[سورة الحجرات: من آية 13]

فقط..
قول سيدنا عمر لسعد:

يا سعد لا يغرنك أنك خال رسول الله فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له

الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. يكفي أن تستقيم على أمره يحبك، فإذا أحبك أحبك الخلق.
ثم قال عليه الصلاة والسلام:

سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ الشَّوَارِعَ إِلَى الْمَسْجِدِ إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ فَإِنِّي لا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ

[البخاري عن ابن عباس]

أترى لهذا التقدير!! أحياناً الإنسان تخدمه، وتخدمه، وتجده ساكتًا، تكلم بكلمة، شجع الذي يخدمك، بين مكانته، اشكره، قدِّرْ معروفَه،

وكانت تعظم عنده النعمة مهما دقت

رأى أحدهم قشة على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فأخذها، رفع النبي يديه قال له: أكرمك الله.
وهي قشة،
الفرق كبير جداً بين إنسان يقدِّر المعروف، يقدِّر الإحسان، يقدِّر الإكرام، وبين إنسان لا يقدِّر..

لا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ

ما ساءني قط

ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر

كما خرج صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد قبل اشتداد وجعه يدعو لهم ويستغفر لهم.
عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ
فَقَالَ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ فَانْطَلِقْ مَعِي
فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ
قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ أَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى
قَالَ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ
فَقَالَ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ
قَالَ قُلْتُ بِأَبِي وَأُمِّي فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا ثُمَّ الْجَنَّةَ
قَالَ لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةَ
ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ ثُمَّ انْصَرَفَ
فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قَضَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ

وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ

أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ
فَقَالَ مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ
قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ
قَالَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ وَالْبِلَادُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ

[من صحيح البخاري]

فالميت إما أنه مستريح وإما أنه مستراحٌ منه.
وروي عن أنس بن مالك:

أنه لما كان يوم الاثنين الذي قبض الله تعالى فيه رسوله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الناس وهم يصلون الصبح، فرفع الستر، وفتح الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم حينما رأوه فرحاً به، وترفجوا ـ أي تفرقوا ـ فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم. قال:

فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم سروراً لما رأى من هيأتهم في صلاتهم

وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئةً منه تلك الساعة

قال:

حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء

[تخريج أحاديث الإحياء]

هذا هو العمل، أن تربي أشخاصاً، أن تربي قادةً، أن تربي مؤمنين، أن تربي محسنين، أن تربي أناساً يحبون الله، يقيمون أمر الله في حياتهم.
فملخص الملخص: لما نظر إلى أصحابه يصلون بخشوع قال:

حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء

[تخريج أحاديث الإحياء]

فهذه ثمرة العمل، تصور إنسانًا زرع شجرة، فلما أينعت، وأثمرت يشعر بسعادة كبيرة جداً ؛ فالدعوة إذا أثمرت أُناساً مؤمنين، صادقين، ورعين، مستقيمين دعاة إلى الله عز وجل، فهذا إنجاز كبير جداً.
قال:

ثم رجع، وانصرف الناس، وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفرق

أي برئ من وجعه، فرحوا الناس، فهذه صحوة الموت، قبل الموت في صحوة، المؤمنون ينتعشون قبل الموت ليشهدوا أنه لا إله إلا الله، وليكون لقاؤهم بالله عز وجل عن وعي ـ
وقد خاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

أيها الناس سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما حل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن

أي لا يوجد علي مأخذ، ما أحللت إلا ما أحل الله، وما حرمت إلا ما حرم الله، لكن المعنى المخالف، الذي يحل ما حرم الله له عذابٌ أليم، أو الذي يحرِّم ما أحل الله.
قالت عائشة:

رجع إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، في ذلك اليوم، حين دخل من المسجد، فاضطجع في حجري، ووجدت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شَخَص، وهو يقول:

اللهم الرفيق الأعلى من الجنة

فقلت:

خُيِّرت واخترت والذي بعثك بالحق

فالآن هناك خيارات في الأرض لا يعلمها إلا الله ؛ إنسان يختار النساء، إنسان يختار الأموال، إنسان يختار السفر، إنسان يختار القوة، إنسان يختار المُتَع الرخيصة، إنسان يختار الشهادات العليا، إنسان يختار المكانة الاجتماعية، إنسان له هوايات ؛ هذا بالحدائق، هذا بالكُتُب، هذا بالطوابع، هذا باللعب، هذا بالكرة..

(إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى)

[سورة الفرقان]

من هو البطل؟ هو الذي اختار الله..

من أحبنا أحببنــاه ومن طلب منا أعطيناه
و من اكتفى بنا عما لنا وما لنا كنا لـــه

فالبطولة أن تحسن الاختيار…

السيدة فاطمة عليها السلام عند وفاة والدها صلى الله عليه وسلم:

قالت:

وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما ثقُل النبي صلى الله عليه وسلم، كانت فاطمة رضي الله عنها حاضرةً عنده ترى ما نزل به من أمر الله تعالى الذي لا مردَّ له، فتأخذها العبرات حزناً ولوعةً على أبيها، وهي تراه يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول:

لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ

[من صحيح البخاري: عن عائشة]

قال أنس:
لما ثقُل النبي صلى الله عليه وسلم جعل يتغشَّاه، فقالت فاطمة عليها السلام:

وا كرب أبتاه

فقال عليه الصلاة والسلام:

لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ

[من صحيح البخاري: عن أنس]

أي أن أصعب شيء في حياة المؤمن الموت، وما بعده أعظم، وأهون شيء في حياة الكافر الموت ـ دققوا ـ الخطر ما بعد الموت، فأهون شيء الموت، لكن ما بعد الموت لا يحتمل، لكن أصعب شيء عند المؤمن الموت، بعد الموت جنة، حتى القبر روضة من رياض الجنة،
فقال عليه الصلاة والسلام:

لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ

فلما مات قالت:

يا أبتاه أجبت رباً دعاك، يا أبتاه في جنة الفردوس مأواك، يا أبتاه إلى جبريل ننعاك

فلما دفن عليه الصلاة والسلام قالت فاطمة عَلَيْهَا السَّلَام فرقاً على أبيها:

يَا أَنَسُ أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التُّرَابَ

ممكن أن يوضع هذا الإنسان تحت الثرى وأن يهال عليه التراب؟! هذه سنة الله في خلقه، الموت نهاية كل حي.

كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت

والليل مهما طال فلا.. بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال.. فلا بد من نزول القبر

ويقع الخطب العظيم، ويعم المصاب جميع المسلمين، ويموج الناس حيارى حتى وقف أبو بكر ـ الآن دققوا أيها الإخوة ـ أنا لا أعتقد أن على وجه الأرض إنسان يحب إنساناً كحب الصديق لرسول الله، لكن أعظم ما في هذا الموقف أن هذا الحب ما حمله على الشرك، وقف رضي الله عنه وقال قولته الشهيرة:

أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ وَقَالَ:

(إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ)

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ)

(فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)

ما من كلمةٍ أبلغ من هذه الكلمة، نحن دينُنا دين التوحيد:أشهد أن محمداً عبده ورسوله
سيدنا الصديق كان مع رسول الله، مع أكبر إنسان، ومع ذلك هذا الحب الشديد وهذا الهيام، ما دفعه إلى الشرك أبداً.
قال:

والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية

من شدة حب أصحاب النبي لرسول الله، هذه الآية كأنهم ما سمعوا بها إطلاقاً:

(وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ)

[سورة آل عمران]

قال عمر:

والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكرٍ تلاها، فالأرض عندئذٍ ما تقلني رجلاي، حتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها

هو ما كان يصدق ذلك، فلما تلا هذه الآية عرف أنه قد توفي، ديننا كله حب يا إخواننا، من دون حب لا يوجد دين، فلابد أن تحب الله، وأن تحب رسوله، وأن تحب المؤمنين

والله إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، ولا نقول يا رسول الله إلا ما يرضي ربنا: لا حول ولا قوة إلا بالله وحسبنا الله ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير

وفاة السيدة فاطمة عليها السلام:

قبل أن وفاة النبي عليه الصلاة والسلام أنبأ النبي السيدة فاطمة أنها أول أهله لحوقاً به،
فتوفيت فاطمة الزهراء رضي الله عنها بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة أشهرٍ، وكان قد أذهلها المصاب الفادح، وغشيها من الأحزان على فراق أبيها صلى الله عليه وسلم ما غشيها، حتى أتاها أجلها، وقضت نحبها.
قال عبد الله بن الحارث:
مكثت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهرٍ وهي تذوب من شدة الألم على أبيها.
وما أن انقضت الأيام قريباً من أيام الوداع الخالدة، حتى أخذت في التفكر بالاستعداد ليوم الرحيل، فقد بشَّرها أبوها صلى الله عليه وسلم بأنها أول أهله لحوقاً به، فكانت كثيراً ما تتحدث عن الموت، حتى قرب أجلها.
تقول أم رافع: مرضت فاطمة الزهراء، فلما كان اليوم الذي توفيت فيه قالت لي:

يا، أم اسكبي لي غسلاً

فاغتسلتْ كأحسن ما كانت تغتسل، ثم لبست ثياباً لها جدد ثم قالت:

اجعلي فراشي وسط البيت

فاضطجعت عليه واستقبلت القبلة، وقالت:

يا أم إني مقبوضةٌ الساعة، وقد اغتسلت فلا يكشفن لي أحدٌ كفناً

فماتت رضي الله عنها فجاء علي بن أبي طالب، فأخبرته فاحتملها، ودفنها بغسلها هي.
ذلك بعد أن صلى عليها هو والعباس رضي الله عنهم جميعاً، وتوفيت رضي الله عنها ليلة الثلاثاء لثلاثٍ خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشر من الهجرة.

الخلاصة:

أيها الإخوة… الملخص: كلما كان عملك طيباً كان الموت مريحاً، وكان الموت محبباً، وكان الموت عرساً، وكان الموت تحفةً، فكل بطولتك أن تستقيم على أمر الله، وأن تعمل صالحاً حتى يكون الموت محبباً إليك، لأن الموت عند الناس أكبر مصيبة، في حالات كثيرة جداً خوف الناس من الموت لا يوصف، السبب كما قال الله عز وجل مرة ثانية:

(قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (6) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)

[سورة الجمعة]

فتمني الموت أو عدم تمني الموت مقياس دقيق لعملك، لا يوجد عندك مشكلة، لا يوجد دخل حرام، ولا مخالفة، ولا معصية في ببيتك، ولا معصية في عملك، والوجهة إلى الله سليمة، وفي قلبك حب، مرحباً بالموت، خَطُّك البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطةً على هذا الخط.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة- سيرة الصحابيات الجليلات – بنات النبي الكريم –السيدة فاطمة الزهراء الدرس (3-3) : سيرة السيدة فاطمة الزهراء 3
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-08-03 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس