حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الصحابة تفردهم وتمايزهم من أسباب تميز عصر النبوة:

أيها الأخوة الأكارم، مع الصحابي سيدنا حذيفة بن اليمان.
الشيء الذي يلفت النظر أن كل صحابي نسيج وحده كما يقولون، يتمتع بشخصية لها سماتها وخصائصها، وهذه الشخصية كأنها جاءت في عهد النبي عليه الصلاة والسلام لتكون قدوة لمثيلاتها في العصور القادمة، فكل صحابي يمثل شخصية نجدها في كل عصر، لكن هذا الصحابي بهذه الشخصية التي يتميز بها وقف الموقف المثالي فكان بطلاً بحقٍ إذ قيل إن عصر النبي عليه الصلاة والسلام هو عصر البطولات.
الحقيقة أن المجتمعات تجد فيها في كل عصر شخصاً يلتمع ويعلو ذكره، أما أن تجد في عصر واحد عدداً لا ينتهي من الأبطال، وكل واحد نسيج وحده، فهذا لم يتوافر إلا في عصر الرسالة الإسلامية، وعهد الرسول صلى الله عليه وسلم.

حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع سيدنا حذيفة بن اليمان:

سيدنا حذيفة بن اليمان عاش والده في المدينة، فهو مكي الأصل، مدني النشأة، فلما بعث النبي عليه الصلاة والسلام كان حذيفة على شوق كبير ليلقى النبي عليه الصلاة والسلام، ويملأ جوانحه من حبه، فما إن التقى بالنبي عليه الصلاة والسلام، حتى سأله النبي الكريم:

أمهاجر أنت أم أنصاري؟

النبي عليه الصلاة والسلام، كان فطناً، والفطنة كما تعلمون من صفات الأنبياء، فحينما التقى النبي هذا الصحابي أول سؤال طرحه عليه أمهاجر أنت أم أنصاري؟ ماذا نفهم، يعني أنت أيها المؤمن إذا التقيت بإنسان ينبغي أن تحدثه عن شيء يعيشه، عن قضية يعانيها، يجب أن تهتم به، يجب أن تهتم بمشكلته لأنه لا سبيل إلى قلبه إلا بهذه الطريقة، إذا التقى مؤمن بشخص فليسأله عن أحواله، عن وضعه عن عمله، عن بعض المشكلات التي يعاني منها، حينما تسأل الإنسان عن قضية يعانيها يتجاوب معك.
النبي عليه الصلاة والسلام، حينما التقاه أول مرة، قال:

يا حذيفة، أمهاجر أنت أم أنصاري؟

لأنه هو مكي الأصل، مدني النشأة، فقال رضي الله عنه:

إن شئت كنت من المهاجرين، وإن شئت كنت من الأنصار، ثم قال حذيفة رضي الله عنه: بل أنا أنصاري يا رسول الله

آثر أن يكون مع الأنصار.
لا يعنينا من هذه النقطة في حياة هذا الصحابي إلا أن النبي كان فطناً، وكان إذا جلس مع إنسان، يضع يده على جرحه، يضع يده على مشكلته، يحدثه عما في نفسه، أما أن تحدث الناس في موضوع بينما هم يعانون مشكلة معينة، فليس هذا من الحكمة.
يقال إن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا جلس مع التجار حدثهم بالتجارة، إذا جلس مع أي إنسان حدثه باختصاصه تأليفاً لقلبه وتقرباً إليه، يعني ليس القصد أن تملي على الإنسان المعلومات، بل القصد أن تفتح قلبه إليك، القصد أن يشعر أن هناك لغة مشتركة بينك وبينه، أن هناك اهتمامات واحدة، من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم

فالقضية ليست أن تملي على الناس معلومات، القضية أن تفتح قلوبهم قبل أن تفتح آذانهم، القضية أن يشعروا أنك قريب منهم.
لذلك فالنبي الكريم، قال:

بعثت لمداراة الناس

المدارة بذل الدنيا من أجل الدين، اجلس معه، استمع إليه، أصغ إليه وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه، ولعله أدرى به فمداراة الناس تفتح قلوبهم، فإذا فتحت قلوبهم، فتحت آذانهم.
سيدنا حذيفة كان في حيرة، أحياناً الإنسان يستنبط معاني جليلة من أشياء صغيرة من كلمة، من نظرة، يستنبط معنى جليلاً.

موقف سيدنا حذيفة حينما قتل أباه في معركة أحد خطأ:

سيدنا حذيفة بن اليمان، في معركة أحد قُتل أبوه خطأً، قُتل أباه بسيوف المسلمين، وأباه مسلم، هذا الشيء يقع في كل الحروب، فأحياناً تقصف قطعة عسكرية من قبل طيران الصديق لا طيران العدو، فهذا يحدث ولأنه يحدث له تشريع في القرآن الكريم، سماه القرآن القتل الخطأ:

(وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأ)

[سورة النساء الآية: 92]

فخر صريعاً بأسياف أصحابه، فصار حذيفة ينادي أبي أبي، لكنه في ضجيج المعركة، وصليل السيوف، مات أبوه بأسياف المسلمين خطأ، فما زاد على أن قال لهم:

(يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)

[سورة يوسف الآية: 92]

أما عند النبي عليه الصلاة والسلام فالحق أحق أن يتبع، فأمر أن يعطي حذيفة دية أبيه، وهي دية من قُتل خطأً، فقال حذيفة:

يا رسول الله، أبي كان يطلب الشهادة، وقد نالها، اللهم اشهد أني تصدقت بديته على المسلمين

لذلك إذا وقع خطأ في حادث فهناك عدل وهناك إحسان، العدل أن يدفع المتسبب الدية، أما الإحسان أن تعفو عنه إذا كنت أنت ولي الأمر.
فازداد بذلك منزلة عند النبي عليه الصلاة والسلام، مرتبة العفو مرتبة عالية جداً، والإنسان إن يعفُ يزده الله بكل عفوٍ عزاً، أنت جرب، ما من إنسان يعفو عن خصمه إلا رفعه الله، وزاده عزاً بعفوه.

ما هو السر الذي أودعه رسول الله عند سيدنا حذيفة بن اليمان ؟

الحقيقة أننا يجب أن نتعلم من النبي الشيء الكثير، النبي كان قائداً والقيادة لها خصائص، من خصائص قيادة النبي عليه الصلاة والسلام، أنه يعرف إمكانات أصحابه، كل صحابي له إمكانات، له خصائص، له ملامح، له قدرات، له شخصية خاصة، القيادة الناجحة تتعرف على إمكاناتِ مَن دونها، ثم تكلف هؤلاء الذين تقودهم كلٌ بحسب اختصاصه، وكل بحسب إمكاناته، القيادة غير الناجحة تضع الرجل المناسب في المكان غير مناسب، رجل غير مناسب في مكان غير مناسب، أما القيادة الناجحة، تضع الرجل المناسب في المكان المناسب.
ذات مرة كان النبي عليه الصلاة والسلام يبحث عن رجل ليقوم بمهمة، فقيل له:
يا رسول الله، فلان، فقال عليه الصلاة والسلام:

ليس هناك

يعني لا يملك الأهلية لهذه المهمة، يبحث عن إنسان يتمتع بهذه الأهلية، فالنبي عليه الصلاة والسلام أدرك أن هذا الصحابي حذيفة بن اليمان فيه ثلاث خصال:
أولاً: يتمتع بذكاء فذ، يسعفه في حل المعضلات.
ثانياً: يتمتع ببديهة مطاوعة تلبّيه كلما دعاها.
ثالثاً: يتمتع بكتمان للسر فلا ينفذ إلى غوره أحد، عنده صدر واسع.
النبي الكريم حينما انتقل إلى المدينة ظهرت فئة اسمها المنافقون، المنافق مثل النفق، له مظهر ضخم لكن من الداخل فارغ، المنافق إنسان يظهر ما لا يبطن، المنافق إنسان يتزين بما ليس فيه، فالمنافق خطر، الكافر سهل أن تعرفه، فمثلاً بحياتنا إنسان يدخن في رمضان فسهل أن تتقيه، وهذا إنسان فاجر، لكن أنت ممن تخاف؟ تخاف ممن له مظهر ديني، ممن له اتجاه دين فيما يبدو، وله أفعال خبيثة، هذا يغش الناس، هذا يوقع بالناس حالة اسمها الإحباط.
لذلك فلأن يطلب الإنسان الدنيا من مظانها أيسر أن يطلبها عن طريق الدين، إنه إن طلبها عن طريق الدين فقد أربك الناس، وأوقعهم في حيرة، وجعلهم في شك من أمر هذا الدين، أقول لكم: أعظم أحوالك أن يكون عملك مصدّقاً لقولك، ينشأ ما يسمى المصداقية، يعني أنت عندما تخيب ظن إنسان، هو يظن أنك صالح، وأنك مؤمن، وأنك تقي، وأنك تخاف الله، وأنك ورع، فإذا به يفاجأ بأنك على خلاف ذلك، فليته يسيء الظن بك، القضية سهلة جداً، يا ليت يسقطك من حسابه، القضية أسهل، المشكلة الأخطر أن أصابع الاتهام تتجه إلى الإسلام، أهذا هو الدين؟ انظروا، دققوا، انظروا إلى أهل الدين، أول كلمة يتفوه بها أعداء الدين إن خيب ظنهم أهل الدين، أنهم يطعنون بأصل الدين، يطعنون بأحقية هذا الدين.
لذلك هناك ما يسمى بداعية، وهناك ما يسمى بمنفر، الداعية يقرب، والمنفر يبعد، الداعية يحبب، والمنفر يبغض، الداعية يرسخ، والمنفر يزلزل، الداعية مثل أعلى، والمنفر مثل سيء.
فلذلك سيدنا النبي الكريم كان يتقي المنافقين لأنهم فئة خطيرة جداً، والمنافق إنسان يعيش مع المؤمنين، ويصلي معهم، ويسلك في ظاهر الأمر مسالكهم:

(وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً)

[سورة النساء الآية: 142]

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ)

[سورة البقرة الآية: 14 ـ 15]

والنبي الكريم رأى حذيفة ذكياً، ورآه صاحب بديهية، ورآه كتوماً للسر، كلفه وأفضى إليه بأسماء المنافقين الذين أطلعه الله عليهم، فكان حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله.
بصراحة أقول لكم: أنت لا تتمكن من أن تتقرب من إنسان عظيم إلا إذا كنت كتوماً للسر، يعني إذا أنت سمعت فكرة، أو خبراً، أو قصةً من شخص مهم، وأنت حسبته خبراً مسلياً فنشرته بسرعة، فهذا يحط من سمعتك، لن تستطيع أن تتقرب من إنسان تراه عظيماً إلا بكتمان السر، واسمك عندئذٍ أمين سر، يعني أمين على سرك.
هل تصدقون أن سيدنا عمر بن الخطاب الصحابي الجليل عملاق الإسلام، ثاني الخلفاء الراشدين، الذي ملأ الأرض بعدله، والذي ملأ العين والسمع بأخلاقه، واندفاعه، وجرأته، كان قلقاً على نفسه؟ ومن علامة المؤمن يا أخوان، أنه يقلق على نفسه، ويخشى عليها، إلى أن التقاه عمر يوماً، وقال:

يا حذيفة، أنشدك الله هل وجدت اسمي بين المنافقين؟ فخجل هذا الصحابي أشد الخجل، قال: لا والله أنت أكرمنا، ولكن لا أزكي بعدك أحداً

يعني أعذرني لا تحرجني بأسماء أخرى، لأن الله عز وجل قال في القرآن:

(وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ)

[سورة التوبة الآية: 84]

ومن حرص النبي على تنفيذ أمر الله، أنه أعطى أسماء المنافقين لهذا الصحابي عند وفاته، حتى إذا مات أحدهم فلا يصلى عليه، لأنه إنسان خطير، المنافق خطير جداً، يعطيك من طرف اللسان حلاوة، ويروغ منك كما يروغ الثعلب، نعوذ بالله من النفاق، وأنا لا أخاف على الدين من أعدائه، فأعداؤه مكشوفون، ويحذرهم جميع المسلمين، ولكن الخوف على الدين من أدعيائه من المنافقين.
وهنا يُطالعنا سؤال: هذا الذي يتمتع بذكاء فذ، لو أنه لم يؤمن، ماذا يفعل بذكائه؟ هل في القرآن آية تشير إلى هذا المعنى الدقيق؟ شخص عبقري لكن ما فيه دين، شهواني، يؤثر الدنيا على الآخرة، فهذا الذكاء الذي منحه الله إياه ما مصيره؟ ربنا عز وجل قال:

(وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)

[سورة الكهف الآية: 54]

يعني أرجو الله أن أوفق بمثل يوضح فكرتي، يعني أنت أُعطيت مركبة، تصعد مكاناً، زاويته مثلاً خمس وثلاثون درجة، نادراً أن يكون طلعة بهذا الشكل، لكن المركبة قوية جداً، فإن لم تستخدم هذه المركبة لبلوغ قمة هذا الجبل فقد تهوي بك إلى الحضيض.
يعني الله عز وجل آتى الإنسان عقلاً، وهذا العقل فيه من القدرات المذهلة الكثير، العقل فيه أشياء غريب جداً، فالإنسان أعطاه الله قدرةَ تذكر، قدرة محاكمة، قدرة استنباط، قدرة استقراء، قدرة حكم، قدرة موازنة، قدرة تخيّل، قدرة تصور، هذا العقل البشري زود الله به الإنسان ليرقى به إلى الله، لو آثر الدنيا ماذا يفعل بهذا العقل؟ يستخدمه لفلسفة الباطل، ولتغطية انحرافاته، ولفلسفة شهواته، ولتحبيب الدنيا إلى الناس.
فلذلك أصحاب الأهواء أذكياء، أصحاب المبادئ الهدامة أذكياء، يفلسفون مبادئهم الهدامة، ويعطونها طابعاً منطقياً، يعطونها تماسكاً إيديولوجيا كما يقولون، الله عز وجل قال:

(وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً)

[سورة الكهف الآية: 54]

فعقلك إن لم تستخدمه في معرفة الله، صار سلاحاً خطيراً تستخدمه إذاً في تزيين الباطل، في ترويج الباطل، ما من انحراف أخلاقي، ولا من عقيدة فاسدة، إلا ولها فلسفة براقة، وقد عبر الله عن هذا بقوله جل جلاله:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ)

[سورة الأنعام الآية: 112]

فلو وقفنا أمام بائع وشعرنا أن هذا الميزان غير صحيح، فلا نرتاح له، ما الحل؟ هذا بائع القماش يقيس القماش بالمتر، كأنه أقصر من المتر الطبيعي، ما الحل؟ هناك متر نظامي، وهناك ميزان دقيق، نحن عندنا ميزان العقل، وعنا ميزان الفطرة، وعندنا ميزان يضبط هذين الميزانين، هو الشرع، وعلى هذا أضرب مثل:
أعطيناك مسألة حللتها بعقلك، نحن نعطيك سلفاً الحل الشرعي، فإذا وصلت بعقلك إلى الحل الشرعي فأنعم بهذا العقل، وإن لم تصل بعقلك إلى الحل الشرعي فبئس هذا العقل، هذه هي القاعدة.

المهمة التي كلف بها رسول الله سيدنا حذيفة يوم معركة الخندق؟

الحقيقة أتمنى على الله عز وجل، وأرجو أن تعلموا علم اليقين أن واحداً منا لن يستطيع أن يصل إلى جنة عرضها السموات والأرض إلا إذا مر بامتحانات شديدة، هذا كلام قد يرضيكم وقد لا يرضيكم لكنه حقيقة، يظن بعضهم أنه بالرخاء، والبحبوحة، واليسر، والصحة، وسمو المكانة أنه يخرج من الدنيا للجنة رأساً، لا، فهناك أدلة كثيرة تشير إلى الابتلاء:

(حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)

[سورة آل عمران الآية: 142]

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ)

[سورة العنكبوت الآية: 2]

(لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ)

[سورة آل عمران الآية: 92]

فالصحابة الكرام في قمة إخلاصهم، وحبهم، وإقبالهم، وورعهم، وطاعتهم في القمة جاءتهم معركة الخندق فزلزلوا بها، وقد قال أحد الذين عاشوا مع النبي حينما رأى قريشاً، وكل القبائل قد جمعت كل إمكاناتها وطاقاتها، وجاءت بجيش لم يجّيش مثله في تاريخ الجزيرة، عشرة آلاف مقاتل، جاءوا ليستأصلوا الإسلام، ليبيدوه عن آخره، واليهود مِن ظهر النبي نقضوا عهدهم كعادتهم، واتفقوا مع الأحزاب ليطعنوا النبي من الظهر والمدينة مكشوفة، والجيش عرمرم كما يقولون، وغدا مستقبل الإسلام قضية ساعات.
لو فرضنا أنك إنسان خبير بالمعارك، ولو فرضنا أن لواءً محاصراً بين عشر فرق، والمنافذ كلها مغلقة، قطعوا التموين، قطعوا الماء، قطعوا الإمداد، قطعوا المعلومات، قطعوا الاتصالات، المدرعات مجهزة، ثم تقدمت هذه الفرق لتستأصل هذا اللواء عن آخره، هكذا كان شأن المسلمين في غزوة الخندق.
الأمر أبلغ من ذلك، يعني المسلمون بقي لهم ساعات، حسب رأي المنافقين والكفار، وقد كان النبي وعدهم أن يفتح عليهم بلاد قيصر وكسرى، ما هذا الكلام؟ أين بلاد قيصر؟ وأين بلاد كسرى؟ فالأمر لما ضاق به المسلمون، حمل أحد المنافقين على أن يقول: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته، غير قادر على أن يفرغ مثانته، هذا الذي قال هذا الكلام: شعر أن هذا النبي ليس نبياً، والدليل أنه انتهى مع المنافقين، لكن ربنا عز وجل وصف الحال بقوله:

(هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً)

[سورة الأحزاب الآية: 11 ـ 12]

لكن:

(مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً)

[سورة الأحزاب الآية: 23]

الإسلام قد يمر بنكبات، قد يمر بهجمات شرسة، وقد يمر بمؤامرات على مستوى العالم كله، لكن المؤمن لا يتزحزح، ولا يسيء الظن بربه، وهو صابر، وهو صامد بالتعبير الحديث، فالنبي عليه الصلاة والسلام احتاج في هذه المعركة الحرجة إلى هذا الصحابي الجليل، أراد النبي أن يبعث إلى جيش العدو رجلاً يندس فيهم ليأخذ أخبارهم، القرار الصحيح يحتاج إلى معلومات صحيحة، تقصي الحقائق، وأنت إذا كان لك عمل قيادي، فأكبر غلط ترتكبه حينما تتخذ قراراً من دون دراسة، فالقرار الصحيح يحتاج إلى معلومات صحيحة.
فسيدنا النبي قائد محنك، قائد فذ، يجب أن يتخذ قراراً، الأمر خطير جداً لا بد من صحابي على مستوى عالٍ من الذكاء، وسرعة البديهة، والفطنة، وكتمان السر، عليه أن ينطلق إلى جيش العدو في جنح الظلام، وهناك يتقصى الأخبار ويعود إلى النبي، لأن النبي الكريم جاءته معلومات مضطربة، يريد أن يعرف الحقيقة، فاسمعوا سيدنا حذيفة وهو يروي لكم قصته، قال:

كنا في تلك الليلة صافين قعوداً، وأبو سفيان ومن معه من مشركي مكة فوقنا، وبنو قريظة من اليهود أسفل منا، نخافهم على نسائنا وذرارينا، قال: وما أتت ليلة قط أشد ظلمة ولا أقوى رياحاً منها، فأصوات رياحها مثل الصواعق، وشدة ظلامها تجعل أحدنا لا يرى إصبعه، فأخذ المنافقون يستأذنون الرسول عليه الصلاة والسلام، ويقول أحدهم: عندنا مشكلة بالبيت، والآخر زوجته سوف تولد، والثالث جدار بيته تهدم، كلها أعذار واهية، والله سبحانه وصف أحوال المنافقين، فقال على ألسنتهم:

(إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً)

[سورة الأحزاب الآية: 13]

فكلهم تسللوا، وما بقي مع رسول الله إلا ثلاثمئة، عند ذلك قام النبي عليه الصلاة والسلام وجعل يمر بنا واحداً واحداً، حتى أتى إليّ، وما علي شيء يقيني من البرد إلا مرط لامرأتي، المرط يعني ثوب مثل عباءة غير مخيط مجرد قطعة قماش، لا يجاوز ركبتي، فاقترب مني وأنا جاثٍ على الأرض، وقال:
من هذا؟ قلت: حذيفة، فتقاصرت، وتقاصرت إلى الأرض كراهية أن أقوم من شدة الجوع والبرد، فالمقاتل قد تتلف أعصابه، قلت: نعم يا رسول الله

فقال:

إنه كائن في القوم خبرٌ أريد حقيقته فتسللْ إلى عسكرهم وائتني بخبرهم

والنبي قد ربى رجالاً،
قال:

فخرجت وأنا من أشد الناس جزعاً، وأكثرهم فزعاً، وأكثرهم برداً، والنبي عليه الصلاة والسلام رحيم حقاً لكن لا بد من هذا الموقف

فقال عليه الصلاة والسلام:

اللهم أحفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته

فدعاء النبي لا يرد،
قال:

فو الله ما تمت دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أنتزع الله من جوفي كل ما أودعه فيه من خوفٍ، وأزال عن جسدي كل ما أصابه من برد، فلما وليت ناداني عليه الصلاة والسلام

قال الله عز وجل:

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)

[سورة التوبة الآية: 128]

قال: يا حذيفة، لا تُحدثَن بالقوم شيئاً، فقلت: نعم، ومضيت أتسلل في جنح الظلام حتى دخلت في جند المشركين، وصرت كأني واحد منهم، وما هو إلا قليل حتى قام أبو سفيان فيهم خطيباً، وقال:

يا معشر قريش، إني قائل لكم قولاً: أخشى أن يبلغ محمداً فلينظر كل رجل منكم إلى جليسه، قال: فما كان مني إلا أخذت بيد الرجل الذي كان بجانبي، وقلت له: من أنت؟ فلو تأخر حذيفة لأنكشف، قال: أنا فلان، وهنا قال أبو سفيان:يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار قرار

فالله عز وجل تولى نصر المسلمين، لأن الأمر كان في منتهى الضعف، والله عز وجل قال:

(وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ)

[سورة الأحزاب الآية: 25]

(إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا)

[سورة الأحزاب الآية: 10]

هناك من يقول في أيامنا هذه: الله تخلى عن المسلمين في عصرنا هذا، الله لا يتخلى عنهم أبداً، إذا كانوا معه لا يتخلى عنهم، هذا الذي يصيبهم الآن صعقة، لعل هذا القلب الميت يتحرك، إنها صعقة، لكنها صعقة مؤلمة.
قال:

يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار قراراً، لقد هلكت رواحلنا، وتخلت عنا بنو قريظة

وقصة سيدنا نعيم بن مسعود تأخذ بالألباب، الله عز وجل قدر النصر على يد شخص واحد، أسلم وقت المعركة، فجاء النبي، فقال له: اُمرني، قال له: أنت واحد فخذل عنا، فذهب إلى قريش، وقال لهم كلاماً خلاصته: أن هؤلاء اليهود ندموا على نقض عهدهم مع محمد، واصطلحوا مع النبي على أن يأخذوا منكم عشرين أو أربعين شخصاً رهينة، ليضرب محمد أعناقهم، وذهب إلى قريش بعد أن ذهب إلى اليهود، وقال: هؤلاء قريش اتفقوا مع النبي على أن يأخذوا منكم رهائن
يعني قصة طويلة خلاصتها
أنه أوقع بين قريش وقريظة، فنعيم بن مسعود وحده تمكن أن يشق صفوف الكفار، فلما ذهب وفد من بني قريظة إلى قريش، وجدوا أن كلام نعيم صحيح، وتأكدوا أن خبره صحيح فانشق صفهم، وانتهت وحدتهم، وألغي تآمرهم
وقال أبو سفيان:

وتخلت عنا بنو قريظة، ولقينا من شدة الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل، ثم قام إلى جمله ففك عقاله، وجلس عليه، ثم ضربه فوثب قائماً، ولولا أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرني ألا أحدث فيهم شيئاً حتى آتيه لقتلته بسهمٍ، ولكنه ما أحدث شيء، عند ذلك رجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فوجدته قائماً يصلي، في مرط لبعض نسائه، فلما رآني، أدناني إلى رجليه، وطرح علي طرف المرط، فأخبرته الخبر، فسر به سروراً شديداً، وحمد الله وأثنى عليه

سر التوفيق الذي كان يتمتع به حذيفة بن اليمان:

سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، مرة قال:

كان الناس يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني.
قلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟

فقال عليه الصلاة والسلام:

نعم، بعد هذا الخير هناك شر

قلت:

فهل بعد هذا الشر من خير؟

قال:

نعم، وفيه دخن

قلت:

وما دخنه؟

قال:

قومٍ يستنون بغير سنتي، ويهتدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر

قال له:

وهل بعد هذا الخير من شر؟

قال:

نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها

قلت:

يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك

يعني يومها الفكر ملحد، والشهوات مستعرة والكاذب مصدق، والصادق مكذب، والأمين مخون، والخائن مؤتمن، والأمة تلد ربتها، تلد المرأة بنتاً تتعلم، تتفلسف، وتقول أمي: دقة قديمة، أمي لا تفهم شيئاً، هي ربتها، وهذا كله من علامات قيام الساعة.
قلت:

يا رسول الله، فما تأمرني إن أدركني ذلك

قال:

تلزم جماعة المسلمين

قلت:

فإن لم يكن لهم جماعة؟

قال:

تعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك

يعني إما أن تعيش وحدك، وإما أن تعيش مع الجماعة الإسلامية، أما أن تعيش مع هؤلاء الفسقة، الفجار، المنحرفين، فهؤلاء ينتهون بك إلى النار.

بعض أقواله رضي الله عنه:

يقول هذا الصحابي الجليل:

إن الله تعالى بعث محمداً صلى الله عليه وسلم، فدعا الناس من الضلالة إلى الهدى، ومن الكفر إلى الإيمان، فاستجاب له من استجاب، محيي بالحق من كان ميتاً، ومات بالباطل من كان حياً، ثم ذهبت النبوة، وجاءت الخلافة على منهاجها، ثم يكون ملكاً عضوضاً، فمن الناس من ينكر بقلبه ويده ولسانه، أولئك الذين استجابوا للحق، منهم من ينكر بقلبه ولسانه، كافاً يده، فهذا ترك شعبة من الحق، منهم من ينكر بقلبه، كافاً يده ولسانه، فهذا ترك شعبتين من الحق، ومنهم من لا ينكر لا بقلبه، ولا بيده، ولا بلسانه، فهذا ميت الأحياء، حيٌ ميت، حي نبضه جيد، ضغطه جيد، لكنه ميت، فلا أنكر بقلبه، ولا بلسانه، ولا بيده

مرة هذا الصحابي جاء النبي عليه الصلاة والسلام، وقال:

يا رسول الله، إن لي لساناً ذرباً على أهلي، وأخشى أن يدخلني النار

إنه ذكي جداً ولسانه طليق،
فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:

فأين أنت من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة

فالإنسان كلما وقع في غلط عليه بالاستغفار.
كلام سيدنا حذيفة الأخير:

ليس خياركم الذين يتركون الدنيا للآخرة، ولا الذين يتركون الآخرة للدنيا، ولكن الذين يأخذون من هذه ومن هذه

بطل نهاوند:

ولهذا الصحابي الجليل مواقف بطولية، فمن يصدق أن بلاد نهاوند بأكملها فتحت على يده، وهاأنذا أقول كلمة: عمرك الذي تمضيه بين الولادة والوفاة لا قيمة له إطلاقاً، هذا أتفه أعمالك، لكن عمرك الحقيقي هو حجم عملك الصالح، هذا العمل كلما اتسعت رقعته، وكلما عم خيره، وكلما أمتد أمده، وكلما اشتد أثره، كان أعظم عند الله عز وجل، وهذا العمل الصالح كلما كثرت المعوّقات أمامه، وكلما كثرت الصوارف عنه فهناك صوارف كثيرة، والأعوان قلائل، وكلما كان هذا العمل في زمن الفساد، إذا تجبّر الأقوياء، وجار الأمراء، وأُترف الأغنياء، وداهن العلماء، وظهرت الفاحشة، كلما كان العمل أعظم عند الله عز وجل.

يا بِشر، لا صدقة ولا جهاد، فبم تلقى الله إذاً؟

هذا السؤال الكبير، الإنسان حينما ينتهي أجله، بم يلقى الله؟ قل لنفسك: ما العمل الذي فعلته حتى أستطيع أن ألقى الله به.

لحظته الأخيرة من الدنيا:

حينما جاءه ملك الموت دخل عليه بعض أصحابه، فسألهم:

أجئتم ومعكم أكفان؟ قالوا: نعم، قال: أروني إياها، فلما رآها، وجدها جديدة فارهة، فارتسمت على شفتيه آخر بسماته الساخرة، وقال لهم: ما هذا لي بكفن، إنما يكفنني لفافتان بيضاوان ليس معهما قميص، فإني لن أترك في القبر إلا قليلاً، حتى أبدل خيراً منهما أو شراً منهما، وتمتم بكلمات، ألقى الجالسون أسماعهم إليها فسمعوها، ماذا قال؟ قال: مرحباً بالموت، حبيبٌ جاء على شوق، لا أفلح من ندم، وصعدت روحه إلى السماء

وهذه كلمة أخيرة، فعندما يولد الطفل فكل من حوله يضحك وهو يبكي، وعندما يموت فكل من حوله يبكي، فإذا كنت بطلاً عليك أن تضحك في هذه الساعة، فاعمل طيلة حياتك بحيث إذا جاءك ملك الموت أن تكون ضاحكاً، ليس من يقطع طرقاً بطلاً، إنما من يتقي الله البطل.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
السيرة – رجال حول الرسول – الدرس (13-50) : سيدنا حذيفة بن اليمان
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1993-01-04 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس