أسباب هلاك الأمم

بسم الله الرحمن الرحيم

أسباب هلاك الأمم في ضوء القرآن والسنة :

هذه الأحداث التي هزت العالَم ألا تنتظمها قوانين ؟ هذه الاجتياحات، هذه الحروب، هذه الزلازل، هذه البراكين، هذه الأزمة العالمية النقدية، هذه الأحداث الكبرى التي زلزلت الأرض ألا تنتظمها قوانين ؟

1 ـ كثرة الفساد و الخبث في الأرض يستوجب الهلاك:

أيها الأخوة الكرام، أول أسباب هلاك الأمم كثرة الفساد في الأرض، وكثرة الخبث، وأية أمة مهما قويت حينما يكثر فيها الخبث تستحق الهلاك، هؤلاء الذين وصلوا إلى الأندلس وفتحوها، ووصلوا إلى مشارف باريس كيف أهلكهم الله ؟ حينما غرقوا في الخمور وفي القيان والغناء والجواري والغلمان، أخرجوا منها.
قال تعالى:

(وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16))

[سورة الإسراء]

من خلال القرآن والسنة فقط ما هي أسباب هلاك الأمم ؟ قال علماء التفسير: أمرنا مترفيها بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوا به، ففسقوا وخرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه، وكذبوا رسله، فحق عليها القول، أي وجب عليها الوعيد، فدمرناها تدميراً، أكلت أكلاً، ضربت ضرباً، هذا مفعول مطلق مصدر مؤكد لفعله

(فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)

مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع، وأسند الفسق إلى قوم هم المترفون، فما تفسير ذلك ؟

(أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا)

على جميع أفراد الأمة:

(الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا)

التفسير الأول أن غير المترفين تبعوا المترفين، جعلوهم قدوة لهم، رضوا بأعمالهم، أكبروا أفعالهم، لذلك يؤكد هذا المعنى قوله تعالى:

(وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَ(67))

[سورة الأحزاب]

والجواب الثاني: أن بعضهم إن عصى الله، وبغى، وطغى، ولم ينكر عليه أحد هذه المعصية، وهذا الفسق والفجور، فكأن سكوت الناس عن فسق الكبراء ذنب يستحقون عليه العقاب، قال تعالى:

(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً)

[سورة الأنفال الآية: 25]

وكما جاء في الحديث الصحيح من حديث أم المؤمنين زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

دَخَلَ عَلَيْهَا فَزِعًا يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدْ اقْتَرَبَ، قَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ

[متفق عليه عن أم المؤمنين زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]

في بعض الآثار: أن الله أرسل الملائكة ليهلك بلدة، قالوا:

يا رب إن فيها صالحاً (فيها رجل صالح)

قال: به فابدؤوا، لِمَ يا رب ؟
قال:

لأن وجهه لم يكن يتمعر إذا رأى منكراً

2 ـ عدم شكر النعم:

السبب الثاني: عدم شكر النعم، قال تعالى:

(وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)

[سورة النحل]

الكفر كفر النعم، ورد في الأثر القدسي:

إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم ، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل عليّ منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري، أهل مودتي، أهل شكري، أهل زيادتي أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم ، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها

 

[رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء]

3 ـ ظهور النقص والتطفيف في الميزان ونقض العهود والمواثيق:

 

img أيها الأخوة، من أسباب هلاك الأمم ظهور النقص، والتطفيف في الميزان، تحت هذه الكلمة يدخل كل أنواع الغش، بضاعة من مصدر معين أوهمت الشاري بأنها من مصدر معين، غش بالوزن، بالطول، بالمكيال، بالمواصفات، أنواع الغش والله لا تعد ولا تحصى، تطفيف الكيل والميزان، منع حق الله، وحق عباده، ونقض العهود والمواثيق، والإعراض عن أحكام الله تعالى، هذه الأسباب كلها مجتمعة في حديث واحد:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ، خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ، وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا،مرض الإيدز، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ

[ابن ماجه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

جعل الله بأسهم بينهم من أجل كرة، هذه أمة.

4 ـ التنافس في الدنيا:

ومن أسباب هلاك الأمم: التنافس في الدنيا، قال النبي عليه الصلاة والسلام:

فَوَ اللَّهِ لَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخَشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ

[متفق عليه عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ]

img








اتَّقُوا الظُّلْمَ، فَإِنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاتَّقُوا الشُّحَّ، فَإِنَّ الشُّحَّ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ سَفَكُوا دِمَاءَهُمْ، وَاسْتَحَلُّوا مَحَارِمَهُمْ

[مسلم عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ]

5 ـ التعامل بالربا وانتشار الزنا:

من أسباب هلاك الأمم التعامل بالربا، وانتشار الزنا، يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

مَا ظَهَرَ فِي قَوْمٍ الرِّبَا وَالزِّنَا إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

[متفق عليه عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ]

هذا النظام العالمي المالي العملاق كيف انهار ؟ بالربا والمتاجرة بالزنا، شراء الديون، وبيع الديون، والربا، والزنا، قال تعالى:

(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(275)يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ(276))

[سورة البقرة] img









والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
خطبة الجمعة – الخطبة 1131 : خ1 – ما هي أسباب هلاك الأمم ؟، خ 2 – اهتمامات العرب
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2009-12-04 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس