العلم والعمل في ميزان الإسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

العلم قيمة كبيرة تجعل المسلمين في المستوى الأعلى :

img بادئ ذي بدء : الآيات التي تضمن التفكر، والعقل، والعلم، في القرآن الكريم تقترب من ألف آية، لأن الإنسان كرّمه الله بالقوة الإدراكية، وحينما يبحث عن الحقيقة يؤكد حاجته العليا، ويؤكد إنسانيته، وأحياناً، ومع أن الدرس يتجه إلى التربية، إلى تربية الأولاد في الإسلام، من حين إلى آخر يتجه إلى الكبار، إلى الآباء كي يقتنعوا بقيمة العلم .
شريحة كبيرة جداً من المسلمين يرى أن العلم لا يجدي، ولا يطعم خبزاً على حدّ تعبيره، فإذا أبقى ابنه جاهلاً، كلكم يعلم الآن إنسان لا يحمل أي مؤهل، في أي معمل راتبه لا يزيد عن سبعة آلاف، بينما أي إنسان يحمل شهادة عليا ذات اختصاص دقيق دخله يزيد عن مئتي ألف، إلى متى نرى المسلم مستخدماً ؟ ضارب آلة كاتبة ؟ موظفاً بسيطاً ؟ يشكو الفقر، هذه مشكلة، المال قوام الحياة .
فأنت حينما تهيئ لابنك مستوىً تعليمياً راقياً أنت ترفع من سوية المسلمين، تجعل المسلمين في المستوى الأعلى .

اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل للترجيح بين البشر :

img

أنا أحياناً لابدّ من تبيين قيمة العلم، أولاً المجمع عليه في القرآن والسنة أن القيم التي اعتمدها الناس للترجيح فيما بينهم قيم لم يعترف بها القرآن إطلاقاً، لم يعترف بقيمة الغنى، ولا قيمة الذكاء، ولا قيمة الوسامة، في القرآن الكريم اعتمد قيمتين، لا ثالث لهما اعتمد قيمة العلم، فقال :


(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)

[سورة الزمر الآية : 9]

وقال :

(يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ)

[سورة المجادلة الآية : 11]

فأعلى مرتبة عند الله مرتبة العلم، بل الآية التي تلفت النظر :

(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)

[سورة النساء]

إله عظيم يقول فضله عليك عظيم إذا كنت عالماً،

(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً)

أنواع العلم :

الذي أتمنى أن يكون واضحاً أن هناك علماً متعلقاً بكسب الرزق، هذا لا يزيد عن حرفة، و علم آخر متعلقاً بالحلال والحرام، هذا أصل في العبادة، هناك علم بخلقه، أصل في صلاح الدنيا، وهناك علم بأمره أصل في العبادة، وهناك علم به وهو العلم الذي أراده الله جلّ جلاله في القرآن، وأراده النبي عليه الصلاة والسلام في السنة .
هناك علم ممتع غير نافع، الذي عنده ميل أدبي إذا قرأ قصيدة الإلياذة، والأوديسة لهوميروس، قد يستمتع بها، قصيدة طويلة جداً، وفيها ذكر الآلهة، وعقائد الإنسان القديم، ومشكلات الإنسان القديم، وهناك علم ممتع، وليس نافعاً .
هناك اختصاص يدر على صاحبه أموالاً طائلة، هذا علم ممتع نافع، لكنك إذا عرفت الله، وعرفت منهجه، وتقربت إليه هذا علم، ممتع، نافع، مسعد .

img

لذلك الكلمة الرائعة التي قالها الإمام علي كرم الله وجهه :




يا بني العلم خير من المال، لأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق

من تعلّم ينفق وقته إنفاقاً استثمارياً لا استهلاكياً :

img

أنا أرى أُناساً كثيرين يقنع أن ابنه إذا عمل بسن مبكرة يصبح شيئاً مذكوراً، لابدّ من أن تطلب العلم، لك ولأولادك .
الآية الأولى :



(هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ)

حتى أنه قد قيل :

العالم شيخ ولو كان حدثاً، والجاهل حدث ولو كان شيخاً

أحياناً بالمؤسسات، بالشركات، تجد شاباً يحمل شهادة عليا عمره بالخامسة والعشرين، بالثالثة والعشرين، بالثمانية والعشرين، تحت يده أشخاص بالسبعين، بالستين، بالخامسة والأربعين، كلهم كبار في السن لكن لم يتعلموا، أنا أرى أن هذا الدين دين العلم، الدليل أن أول كلمة في أول آية، في أول سورة :

(اقْرَأْ)

[سورة العلق الآية : 1]

تعلم، في نقطة دقيقة جداً : أنت حينما تتعلم لا تنفق الوقت إنفاقاً استهلاكياً، بل إنك تنفق الوقت إنفاقاً استثمارياً، لأن التعلم يضمن لك نجاحات كبيرة في الحياة .

من طلب العلم سلم و سعد في الدنيا و الآخرة :

img أيها الأخوة، النقطة الدقيقة الآن : إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، الذين يحكمون العالم من حولهم ؟ خبراء، لا يتخذون القرار إلا باستشارة خبرائهم، ففي النهاية الذي يحكم العالم هم العلماء، الذين هم خبراء عند أصحاب القرار، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، والعلم لا يعطيك بعضه إلا إذا أعطيته كلك، فإذا أعطيته بعضك لم يعطك شيئاً .


من لم يعمل بالعلم الذي تعمله فالجهل أولى له :

img أنت لاحظ بالمعاني المادية المحدودة، إنسان دخل كلية الطب، وعانى ما عانى في السنوات السبع، مدرسون أشداء في الامتحانات، كلفوا الطلاب بأعمال صعبة جداً، يعني معاناة سبع سنوات مع الأساتذة، والمدرسين، وكتابة الأطروحات، والامتحانات الشفهية، والكتابية، ثم نال شهادة طب، وتابع دراسته، وحصل على شهادة عليا، وفتح عيادة، دخله وفير، هذا الدخل الوفير بالمعنى المادي، هيأ له بيتاً مريحاً، هيأ له مركبة مريحة، هيأ له مكانة اجتماعية، الآن كلما مرّ أمام الجامعة يشكر هذه الجامعة على أنها نقلته من إنسان عادي، إلى إنسان ذو مكانة جيدة في المجتمع .
وأنت أيها المؤمن حينما تطلب العلم، وتعرف الحلال والحرام، وتحسن تربية أولادك، وتنشئهم على طاعة الله، وكانوا قرة عين لك، تحمد هذه الأوقات المديدة التي أمضيتها في معرفة الله .
أي لا يوجد علم لذاته، علم للعلم، بالإسلام غير وارد، العلم ما عُمل به، فإن لم يُعمل به كان الجهل أولى، يقول عليه الصلاة والسلام :

الدُّنيا مَلعْونَةٌ

[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة]

لقطتان رائعتان من سيرة النبي الكريم :

هناك لقطتان رائعتان من سيرة النبي :
رأى النبي صلى الله عليه وسلم شاباً يتعبد الله في وقت العمل، قام سأله من يطعمك ؟ قال : أخي، فقال عليه الصلاة والسلام : أخوك أعبد منك، الذي يعمل هو العابد أكثر،الذي كانت يده هي العليا، لم يكن عالة على أحد، لم يتكفف الناس .

ولا فتح عبد بابَ مسألة، إلا فتح الله عليه بها باب فقر

[أخرجه الترمذي عن أبي كبشة الأنماري]

الآن مشهد آخر، شريكان، أحدهما طالب علم، فالشريك الآخر الذي يعمل شكا للنبي شريكه الذي يقدم جهداً أقل من جهده، باللقطة الأولى قال النبي الكريم : أخوك أعبد منك الذي يعمل، ومن ينفق عليك أعبد منك، الثاني شيء آخر، قال : لعلك ترزق به، اختلف الموضوع، اختلف الحكم، أو اختلف 180 درجة، الأول كان عابداً، الذي يعبد الله لنفسه، أما الثاني كان طالب علم، يطلب العلم لغيره، فالنبي طمأن الشريك أن أحد أسباب رواج هذه الشركة، وتقدمها، هو أنك تسمح لشريكك أن يطلب العلم، لعلك ترزق به .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
التربية الإسلامية – تربية الأولاد في الإسلام 2008 – الدرس (13-36) : التربية العقلية 3 ـ قيمة العلم
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2008-06-21 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس