اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ

بسم الله الرحمن الرحيم

قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ . قَالُوا : وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ

[سنن أبي داوود]

قبل البدء بشرح الحديث نحتاج إلى تمهيد:
قال النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ

[أخرجه البخاري]

لأن غضبه يجعل حكمه مضطرباً ، فلئلا يأتي حكمه ظالماً أو مضطرباً ينبغي أن لا يقضي وهو غضبان ، العلماء أيضاً حملوا على هذا الحديث فيما أذكر ثلاثاً وثلاثين حالة ، مثل قاضٍ ابنه مريض وهذا المرض مميت ، فتشوش والده ، أيحق له وهو في هذه الأزمة الطاحنة (أي أزمة مرض ابنه ) أن يقضي في هذا الموضوع ؟ يقاس على الغضب مرض ابنه ، وأي شيء يدعو إلى الاضطراب يقاس على الغضب ،
قال الله عز وجل:

(َرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)

[سورة الماعون]

أي أن الذي يكذب بالدين هو الذي يوبخ اليتيم
فقط الذي يدع اليتيم ؟ اليتيم يجب أن يكرم فإن لم تكرمه فقد أسأت إليه فكيف إذا ضربته ؟ ذكر الله لنا حالة حادة وقس عليها آلاف الحالات ، وهذا معنى البلاغة في الإيجاز ، أي كلام موجز يحتمل معاني واسعة .
قال الله عز وجل:

(فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ)

[سورة الإسراء]

يتحث الله عن الوالدين من أنه يجب أن لا نقل لهم أُفٍّ ، فقط لا تقل لهما أُفٍّ ، رجل ضرب أباه ! يقول لك: أنا لم أقل له أف. فلأنه لا يوجد أقل من أف فهذه محرمة ، فما قولك فيما فوقها ؟ فهي محرمة من باب أولى .
فحينما تملك هذا الفكر الفقهي أن أف محرمة إذاً
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ما بر أباه من شدَّ نظره إليه

فهذه مثل أف ، أو من أغلق الباب بعنف ، قال له أبوه كلمة فأغلق الباب بعنف ! هذه أشد من أف ،
إذاً المؤمن يحمل على كلمة أُفٍّ ألف حالة، محرمة عنده ،، ويحمل على الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ألف حالة .
ويحمل على لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ألف حالة .
حسناً حرم الله الخمر ، يوجد الآن للخمر أسماء جديدة مثل (الويسكي) والعياذ بالله هل هي محرمة ؟ هذه لم ترد بالقرآن !.. شيء مضحك!
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ

وهذا هو القياس. فـ ( كل مسكر حرام ) كل أنواع الخمر ، فالمخدرات أشد حرمة .
فالعلماء قالوا في جميع الأمور المشابهه لما سبق :

أنها تجب في علتها لا في عينها .

نعود للحديث المراد شرحه :

اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ . قَالُوا : وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ

اللاعِنَيْنِ

أي الأمرين الجالبين للعن ، أي عمل عملته فلعن الناس من فعلوه (لعنه الله ) ، النبي جاء بحالتين بسيطتين الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ
أي يقضي حاجته في الطريق ، طريق عام ملك للناس جميعاً وإنسان وقح، في هذه الأيام مثل مدخل بناء ، أو في درج ، مدخل عمارة ، مدخل معمل، يقضي حاجته في الليل الساعة الثانية عشرة ليلاً لم يره أحد ، فإن رآه أحدهم فهذا القذر ، ولو بقي مضبوط اللسان ماذا يقول في قلبه ؟ يقول : لعن الله من فعلها ، قليل حياء ، لا أصل له ، عديم التربية . إن كنت مهذباً وضبطت لسانك فلا تملك قلبك ، بل تلعنه في قلبك ، لأنه أساء إساءة بالغة ،
اسمحوا لي أن أقول لكم طبقوا قاعدة التي خلصنا بها في التمهيد وهي: أنها تجب في علتها لا في عينها
اتقوا اللاعنين الشيئين اللذين يجلبان اللعن لمن فعلهما ، وهذا مثل ، فهل نبقى بالمثل فقط؟ هذه الحالة فقط؟
كرجل تخلى في الطريق ، حسناً إن تخلى في مدخل بناء؟ أليس بحرام ؟ الأمر ذاته ،
حسناً رجل عنده كلب عقور ، ووضعه في مدخل بناء من دون أن يربطه ، ويوجد في هذا البناء أطفال صغار يجب أن يذهبوا إلى مدرستهم الساعة السابعة صباحاً ، وصاحب الكلب نائم، والكلب من دون قيد ، ألم تخف أنت أهل البناء؟ ألا يستحق من فعل هذا اللعن ؟
الآن وبحسب ما شرحناه في التمهيد والقاعدة الفهيه التي عرفناها فإن أي عمل يلعن الناس صاحبه أو من فعله يجب أن تحمله على هاتين الحالتين أي عملٍ يسبب أن يلعنه الناس أو أن يلعنوا من فعله يجب أن يحمل على هذين الفعلين ،
الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم ، الوقت صيف والحر شديد والطريق إلى سفر ، ويوجد شجرة كالدوحة كأنها مظلة كبيرة ، الناس يرتاحون تحتها في الصيف ، فقضى رجل حاجته تحت هذه الشجرة ، وجاء آخر ليستريح فرآى هذا الشيء المقزز ، ماذا يقول في نفسه؟ يقول : لعن الله من فعلها ، قليل الأصل ، قليل التربية ، قليل الذوق إنسان همجي .
الآن حياتنا معقدة جداً ، أي إذا فتح الإنسان فتحة مياه مالحة ولم يغلقها ، فكم حادث سير يقع؟ فإن حدث حادث مع أحدهم دون أن يشعر ينهال بالسباب على من أبقى هذه الفتحة مفتوحة ،
رجل وضع حجر كبير وراء عجلات سيارته وهو يصلح سيارته ، ثم مشي وتركه ، والطريق سفر ، آخر يمشي بسرعة في الليل ولم ينتبه له ، فتحطمت سيارته وانقلبت رأساً على عقب ، ألا يستحق اللعن؟
رجل ركَّب صحن لاقط ، وثبته ببرغيين بدلاً من أربعة ، في أيام عاصفة طار هذا الصحن الاقط وسقط فوق بنت مثل الوردة فقتلها ، ألا يستحق هذا الإنسان اللعن ؟
إنسان ركَّب بلور ووضع له مسمارين فقط ، والمعجونة طرية ، جاء آخر فاصطدم به فجاء فوق طفل فقتله ، ألا يستحق اللعن ؟ بكل حرفة ، بكل مهنة ، يوجد أشياء مزعجة جداً .
رجل زرع شجرة أمام منزله ، وصنع لها قفصاً عند حداد غير متقن ، وهذا القفص له نتوءات حادة ، فكم من إنسان تمزقت ثيابه من هذه النتوءات ؟ رجل يمشي دون أن ينتبه علق معطفه بهذا النتوء الحاد فشرطه، بدلة جديدة يلبسها ، ألا يستحق اللعن ؟
والله لو كان هناك مجال لتفاصيل لوجدت مائة ألف حالة ، وكل حالة يستحق صاحبها اللعن ،
أنت لديك بستان فيه عنب ، وتخاف عليه من الدبابير ، فجئت بدواء ورششته به ، مكتوب على هذا الدواء أنه إن بقي على العنب أقل من شهرين فهو مسرطن ، أنت لم تهتم قطفت الثمار وبعتها ، وجاء إنسان بريء واشترى منك العنب ، وأخذت حقك ، قبضت ثمن الكيلو خمسٌ وعشرون ليرة سورية ، أكله الأولاد فحدث معهم ورم خبيث ، والشيء الذي لا يصدق أن الأورام الخبيثة أصبحت بنسب مخيفة ، دواء مسرطن ،
فواكه مهرمنة ، فمن أجل أن يكبر حجم الخضراوات نأتي بهرمون محرم دولياً ممنوع استيراده ، وأي صيدلية تبيعه تغلق ، نأتي به عن طريق التهريب ، ونرش هذه الطماطم أو البندورة أو الخيار فتظهر بحجم كبير ، ونبيعها بسعر عالٍ ، أما من أكله وأصيب بمرض خبيث فهذا لا يهم ، المهم أنني قد بعت بضاعتي بسعرٍ عالٍ ، فلو فرم الله هذا الإنسان فرماً ، ما قضية أن يبتال إنسان في الطريق أمامها ؟ ولكن هذا ما كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، أما هذا الحديث فيجب أن يفهم فهماً واسعاً جداً .
أحياناً يصنع الإنسان شيء غير متقن ، يكبر نتوءات فأثناء تنظيفه تجرح اليد ، وإن كان الوعاء غير نظيف أصيب بمرض الكزاز ، ما قولكم؟
لفت نظري ببعض المناطق التي زرتها أن أعمدة الكهرباء لها أوتاد من أجل تثبيتها، على ارتفاع مترين إلى الأسفل هذه الأسطوانة محاطة بأسطوانة من الإسفنج سمك حرفها عشرة سنتيمترات ، حتى لا يتأثر طفل مسرع دخل بها خطأً ، أليس هذا بعمل ديني وإنساني وحضاري ؟ بلى هو كذلك ، دخلت إلى بعض الحدائق فوجدت بعض الأجهزة الرياضية ، ولكن الأرضية سوداء لمستها فإذا هي مكعبات كوشوكية صغيرة ، وهي عبارة عن العجلات القديمة المهترئة التي تفرم وتصبح مكعبات توضع تحت الأدوات الرياضية وتحت ألعاب الأطفال ، فلو سقط الطفل لا يتأذى ، كلما أجرينا إجراءات وقاية للأطفال والكبار كان أفضل ،
كم إنسان مات بتماس كهربائي في بيته، وما شابه ؟ كم إنسان مات؟ ….فإذا مشيت بهذا الباب تجد أنه ما من مصلحة ، ما من حرفة إلا وجدت عمل يسبب لعن من عمله ،
فإذا كان عندك فكر فقهي ، وكان عندك أفق واسع جداً

اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ . قَالُوا : وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ

إن هذا يستحق اللعن ولكن أي عمل وأي صنعة ، يوجد صنعات فيها إهمال شديد جداً ،
كم طفل مات باختناق الغاز؟ يوجد الآن أجهزة لها إجراءات وقائية ، فلو نسي الأهل الغاز مشتعلاً فإنه ينطفيء من تلقاء نفسه ، هذا كله من الدين ، الإنسان هو هدف هذه الحياة كلها ، مهما فعلت من إجراءات وقائية فأنت تفعل شيء من صلب الدين ، هذا هو الدين !
يوجد مواد مسرطنة ، مواد قد انتهى مفعولها ، هناك غش لا يعلمه إلا الله ، سمعت مرة أن الألبسة البالية تؤخذ إلى مكان في بعض البلاد ثم تفرم ، ثم يعاد غزلها إلى خيوط تسمى براتو ، هذا الخيط ضعيف جداً لأنه مستهلك ، فيصنعوا منها كنزات ، وجوارب وألبسة منظرها جميل جداً ، تلبس لبستين وتنتهي ، فأنت كتاجر تبيع موظفاً كنزة ثمنها ثمانمائة ليرة سورية ، ومعاشه أربعة آلاف ليرة سورية ، أي ما يعادل خمس معاشه ، يلبسها مرتين فتهترئ وتصبح لا تحتمل ، ألا يسب من صنعها ؟ بلى يسبه ، والله يكاد يكون اللعن قلبي باستمرار ، فيوجد صناعات سيئة جداً ، وصناعات مفعولها منتهٍ ، وصناعات مسرطنة ، وصناعات غير متقنة ، نتوءاتها عالية جداً ، قد تسبب جروح ، قد تسبب حوادث سير ،
مرة متعهد طرقات لم يضع إضاءة كافية ولوحات جيدة ، قال لي أحدهم أنه خلال عام أربعة عشر شخص توفوا بحوادث في نفس المنطقة ، أي قصَّر في وضع اللافتات المضيئة والمشتعلة ، ويوجد تحويلة تحتاج لإضاءة من قبل خمسة كيلو مترات ،
مثلاً لاحظت مرة في جسور لها ارتفاع محدد خمسة أمتار ونصف ، ويوجد شاحنات محملة ارتفاع أعلى من خمسة أمتار ونصف ، فلو دخل هذا الرجل بالجسر أتلف بضاعته أو كسر الجسر ، قبل كل جسر قوس وله أجراس من ألفي متر ، فإذا مشى تحت هذا القوس وحمولته أعلى يسمع أجراس غير طبيعية ، فينتبه أن هنالك جسراً عليه أن لا يخترقه ، الأمثلة لا تعد ولا تحصى كلما ارتقى إيمانك عملت عملاً متقناً تمنع الناس أن يلعنوك ، كلما ارتقى إيمانك ! وهذا الشيء واسع جداً ،
بالصناعات أحياناً تجد صناعة زجاجية غير متقنة ، القالب غير متقن ، لها نتوءات ، مع التنظيف تجرح اليد، يوجد أباريق لها نتوءات حادة ناجمة عن ضعف القالب ، تراها مثل الشفرة ، وطفلة صغيرة غير منتبهة تنظف الإبريق ، تضع يدها عليه فتجرح يدها ، لا يوجد عندهم أدوية أو لم يتعاملوا مه الجرح بشكل جيد، والإبريق غير نظيف فتنجم عنها مشكلة ،
فانظر فهمنا للحديث :

اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ . قَالُوا : وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ

هذا الحديث يبدو بسيط يتعلق بمن قضى حاجة في الطريق ، أو قضى حاجة في ظل الناس لكن أي عمل على الإطلاق يسبب لعن الناس يندرج تحته .

اللاعِنَيْنِ

اللعن : أن تكون بعيداً عن الله ، ان يبعدك الله عن ذاته العلية ، أي أن يطردك من رحمته .
قال العلماء : أي حديث فيه كلمة لعن فهذا المضمون من الكبائر .
أحد تعريفات الكبائر : أن تفعل شيئاً تسبب اللعن لمن فعله .
لذلك إتقان العمل جزء من الدين ،
هل تصدق أن إنسان لم يتقن إغلاق الزيت بعلبة السرعة فتسبب بالقتل ؟ رجل يسوق سيلرته ماراً بالصحراء ومعه زوجته وخمسة أولاد ، توقف في محطة وغيَّر زيت علبة السرعة ، يوجد في المحطة موظفين غير كفئ فلم يُغلق العلبه بشكل جيد ، بعد المشي سال الزيت من مكانه ، فرغ الزيت مما أدى لمشكلة في علبة السرعة ، توقفت السيارة نزل صاحبها وفتح غطاء المحرك ، درجة حرارة أشعة الشمس ست وخمسون درجة ، أصيب بضربة فمات في الصحراء ، ومعه زوجة وخمسة أولاد ، ما سبب موته ؟ أن العامل لم يحكم إغلاق علبة السرعة ، ملعون صاحبه ؟ صدقوا أن الإنسان يلعن في اليوم الواحد مائة شخص دون أن يشعر ، مهمل ، مقصر ، غير متقن ، أحياناً بئر يحفر بشكل غير فني فيسبب متاعب لا تنتهي ، يكلف أحياناً الملايين لأنه حفر بشكل غير مستقيم ،

إتقوا اللاعنين

كل عمل يسبب لك اللعن ، يندرج تحت هذا الحديث كما تعلمنا في التمهيد
فكل عمل يسبب اللعن فهو محرم بنص هذا الحديث، هذا هو الدين ، الدين هو الحياة ، الدين حرفتك ، وظيفتك ،
إن أنت قابلت موظفاً وقضيتك تحل بدقيقة ، وقال لك : تعال غداً هو يتكلم مع صديقه ، ويشرب القهوة وأمامه جرائد ، وهذا الرجل عكر لهما مزاجهما ، تعال غداً ، هذا الرجل قد يكون أتى من مدينة أخرى ، غداً تعني أجرة الفندق ، ويريد أن يتناول طعام الغداء والعشاء ، من أجل أن تقول له تعال غداً ،
أخ من أخوتنا ظهر في جسده بعض الحبوب غير المعقولة من حلاق أدواته غير معقمة ، هل تصدق الآن أن مرض الأيدز ممكن أن ينتقل عن طريق حلاق ؟ إن حلق لشخص يحمل هذا المرض ، وحلق لشخص آخر ولم يعقمه انتقل إليه ، وهذا شيء مخيف.
حدثني أخ عن ولاَّدة ولدت ، العادة أن هذه الإنسان أثناء الولادة لها إضبارة تصف زمر دمها وكل أوضاعها ، فمع كل ولاَّدة إضبارتها ، ولاَّدة ولدت ولادة سليمة وأخذت من غرفة العمليات نسوا الإضبارة بسبب الإهمال، أتوا بولاَّدة أخرى ونسوا أن يأتوا بإضبارتها ، المولِّد وجد إنسانة على الطاولة ووجد إضبارة ، فالشيء المألوف أن هذه الإضبارة لهذه الإنسانة ، لزم لها دم فتح المصنف فوجد الزمرة (O+) أي أو إيجابي ، أتوا بدم من هذه الزمرة التي هي مختلفة عن زمرتها مما أدى لانحلال في دمها فماتت ، هل تصدق أن نسيان أخذ إضبارة تسبب بموت إنسان؟ وقعت !
فلو أردت أن تتوسع بالدين فالطبيب محاسب حساب لا يعلمه إلا الله ، والمحامي كذلك ، والمهندس كذلك ، والمعلم كذلك ،
كل شيء غير متقن ” لا تدقق ” هل هي آية أم حديث ” لا تدقق ” هذا شعار الناس ” لا تدقق ” ،
مرة كنت أدرِّس كان هناك متعهد تعهد تجديد البناء كله ، في هذه المدرسه وهي قديمة جداً مشهورة ، المتعهد بدَّل النوافذ والأبواب ، وأنا في الدرس كان يضع غالات الأبواب ، وأنا أنظر يضع البرغي وبثلاث دقات يدخل إلى الداخل ، البرغي يجب أن يدور ، وهذا أفضل من الضرب أفضل بكثير ، هذا الغال عياره يومان ، فوراً سينفك البرغي إذا لم يثبت ، قلت له هل هذا معقول ؟ قال لي : لا تدقق أستاذ عافاك الله ، لاتدقق!
لا تدقق أصبحت شعارات ، لأنها صنعتنا ، يوجد مواد مؤذية ، ومواد كيماوية ، يكفي أن تكون الكهرباء غير متقنة تميت طفلاً في الحمام ، عم سأتكلم ؟ عن أخطار الغاز أم التمديدات ، كم من حريقة حدثت في محلات تجارية سببها وجود وصلة داخل التيب ، انحلت فأحدثت شرارة ، فاحترق المحل كله ،
أحياناً توفر مبلغ بسيط فتسبب هبوط بناء بأكمله ، كم من بناء هبط ، بسبب عدم الإتقان ، أو أسمنت قليل ، أو أسمنت منتهٍ مفعوله ، قتلت خمسة أشخاص ، والبناء تهدم ، والبناء مكلف الملايين ، لأنك استخدمت أسمنت أقل ثمناً ومنتهي المفعول ، هذا الدين؟
والله يا أخوان هذا الدرس موضوعه لو أتيت بمائة ألف مثال لم يكفي ، هذا هو حال الناس ، غش وعدم إتقان،
عندما نعطي المريض دماً نجري ما يسمى بالتصالب ، لو تأكدنا من الزمرة الدموية ، علينا أن نضع نقطة من الدم مع نقطة من الدم الذي أخذه ، فإن تنافرا يظهر ، وهذا أسمه التصالب ، صدقوني أيها الأخوة أن عشرات المرضى ماتوا لأن الموظف استكسل أن يجري التصالب ، مأخوذة الزمرة خطأً ، أعطوه دم إنحل دمه ومات فوراً ،
وكل بالنهاية قضاءً وقدراً ، كله عمل الله ، هل ترى الجهل ؟ كله سبحان الله منتهٍ أجله ، هذا الكلام غير صحيح ،
قال النبي عليه الصلاة والسلام:

من طبب ولم يعلم منه طب فهو ضامن .

أي يجب أن يدفع الدية ، في بعض البلاد قد يصل التعويض إلى خمسين مليون ،
الإنسان غالٍ على الله كثيراً ، وكلما كان الإنسان له مكانة وله حقوق ، وله واجبات كلما كان المجتمع راقٍ أكثر ، وكلما كنت في مجتمع الإنسان ليس له قيمة ، وليس له حقوق ، وليس له واجبات ، والوقت رخيص جداً يكون الإنسان متخلف ، بالمفهوم الحضاري أو الديني الأخلاقي أو الوطني ، بكل المفاهيم المجتمع متخلف ، فأنا أتمنى أن تفهم دينك ليس بمكان العبادة وحسب بل بالمحل والعمل ، إتقان عملك جزء أساسي جداً جداً من الدين ،
كم إنسان مثلاً فقد يده في مصنع لسبب بسيط جداً وهو عدم وجود تعليمات واضحة ، لا يوجد تعليمات واضحة ، أكثر الأمراض الوبيلة سببها سوء استعمال، عدم وجود تعليمات ، أنا ألاحظ في بعض البلاد تحذير ، المرآة التي على طرف السيارة عليها تحذير أن المسافة فيها غير حقيقية ، يوجد مرايا بنورامية تعطيك الأشكال كبيرة جداً ولكن لها مشكلة ، المسافة التي تظهر على المرآة مختلفة عن الواقع ، يوجد تحذير إذاً انتهى الأمر ، لكن ماذا يفعلون بتحذير الدخان ؟ يضعونه بحرف لا يقرأ ، لا تلاحظه أنت ، لا تلمحه ، فوراً كلمة بحرف صغير هنا التحذير ، يغريك بالإعلان ويغفل التحذير بخط صغير أو لا يقرأ ، أو بوقت زمني لا يقرأ ، هذا أيضاً من الغش ،
فكلما كان إيمانك قوياً وجدت نفسك منضبط انضباط عجيب ، أنت تخاف من الله ، لأن جميع الخلق عباده هؤلاء عباد الله ،
أنا أقول لكم ما علاقة هذا الكلام بهذا الحديث اللطيف الذي هو كلمتان ، والله قناعتي أن كل الذي قلته جزء بسيط من معنى هذا الحديث ، كل شيء يسبب اللعن أتركه ،
فإن وجد الإيمان بالله عز وجل لا يمكن أن تعمل عملاً يسبب الأذى للناس ، لا يمكن ، فإتقان عملك ، ضبط أمورك إجراءات وقائية لمصلحتك هذا الشيء جزء من الدين ، هذا هو الدين ، الدين هو الحياة ، الدين هو العمل المتقن ، الدين هو السلامة ، الدين هو السعادة ، الدين هو الصدق ، الدين هو الأمانة ، الدين هو الخير، لا تفهموا الدين على أنه صوم وصلاة فقط ، أو عبادات شعائرية ، هذا فهم سقيم للدين ، الدين هو الحياة ، أن تكون في أعلى مستوى في عملك ، وفي حرفتك ، لايهم ، أليس هذا العمل طيباً ؟
والله الأخ الصديق الذي ماتت ابنته بهذا الصحن الاقط كانت ابنته مثل الوردة ، ماذا حدث بالأسرة من أجل برغيين ، بدلاً من أربعة وضع برغيين ، يوم عاصف طار الصحن وجاء فوقها فقتلها ، فمن أجل برغيين قتل طفلة، لاتقل لي هذا قضاءاً وقدراً ، انتهى أجلها ! نعم إنتهى أجلها ، ولكن على يد هذا الإنسان ولسوف يحاسبه الله ، تريدون دليلاً قوياً:
قال الله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)

[سورة النور]

معنى هذا أن الذي مشي بالإفك ، وتكلم عن السيدة عائشة واتهمها بالزنى وهي زوجة النبي عليه الصلاة والسلام والمدينة كلها عرفت ، والنبي قد انزعج ، وأربعون يوماً والوحي منقطع ، ولا يستطيع أن يثبت أو أن ينفي، ، والله يا أخوان هذا شيء لا يحتمل ،
قال الله:

(لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ)

أي أن الله أراده ، وكل شيء أراده الله هو خير ،
قال الله:

(لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ)

[سورة النور]

دققتم ! التوحيد لا يعفي من المسؤولية ، تقول لي شغل الله ، وهكذا أراد الله ، وانتهى أجله ، لا إله إلا الله اتنهى أجله ، ولكن أنت مقصر ، ولو كان قد انتهى أجله فسوف يحاسب ، كأنه قاتل .
قال الله تعالى:

(إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ)

[سورة يس]

فيا أيها الأخوة : أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينقلب هذا الدرس إلى واقع ، إلى ممارسة ، كل إنسان بحرفته ، يعتبر أن كل الناس عباد الله ، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعباده ، كلهم عيال الله أحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ،
سمعت مرة من شخص صالح كان عنده معمل صابون ، الصابون ينشر في الشمس ، كان ينشر هو الصابون أربعة أمثال المدة ، لماذا؟ قال : لأن الصابون لو نشر لمدة قليلة (قصة قديمة والعمل بدائي ) يذوب بسرعة بيد السيدة . حتى لا يدعو عليه أحد ،
لدينا الكثير من الأخوان الذين عمروا الأبنية ، قال لي : والله آتي بأحسن أنواع المصاعد ، حتى لا يلعنني أحد .
رجل باع طقم كنبات ، والذي اشتراه فرح به فدعا أصدقاءه ، من اليوم الأول فسد الطقم ، ركض إليه فقال له: هل جلستم عليه في النهار .
ركب مصعد ، كل يوم يتعطل ، كل يوم يقف ، اثني عشر طابقاً وإحداهن لديها مرض بالقلب وهي في الطريق ماتت ، يحاسب من ركَّب المصعد من نوع رخيص كقاتل ، فأخ من إخواننا جزاه الله عنا خيراً قال لي : والله أركِّب أغلى نوع حتى لا يلعنني أحد .
هل ترون كيف كان فهمه للدين ؟ بأي مصلحة ، بأي شيء ، عندما تفهم الحياة بهذا الشكل تصبح إنساناً آخر ، كل هؤلاء عيال الله ، حتى الحيوانات ، هل تستطيع أنت أن تعذب حيوان ؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

هلا حجبتها عن أختها أتريد أن تميتها مرتين ؟

ممنوع أن تذبح شاة أمام أختها ممنوع ، بائعي الدجاج أحياناً يذبح الدجاجة ويضعها في ماء يغلي حتى ينتفها بسرعة ، ولكنها لم تمت ،
قال الله سبحانه وتعالى :

(فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا)

[سورة الحج]

لم تمت ، بائعي السمك الذين يبيعونه طازج ، مازال السمك يتحرك يفتحون قلبه ويخرجون أحشاءه ، ما تزال السمكة حية ، تمهل قليلاً ، يجب عليك كمؤمن أن يكن لديك رحمة ، أن لا يفتحوا بطن السمكة قبل أن تموت ، أن لا يعذب الدجاجة بعد أن يذبحها لا يذبح الشاة أمام أختها ، لا يمثل بالحيوان ، هكذا ،
فارجو من الله سبحانه وتعالى أن ينقلب هذا الدرس إلى واقع ،

اتَّقُوا اللاعِنَيْنِ . قَالُوا : وَمَا اللاعِنَانِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : الَّذِي يَتَخَلَّى فِي طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ ظِلِّهِمْ

الآن قس كل شيء ممكن أن يسبب اللعن قسه على هذا الحديث ، تجد نفسك منضبط في عملك إلى أقصى درجة.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: شرح الحديث الشريف – أحاديث متفرقة – الدرس (091 – 127 ) : اتقوا اللاعنين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2001-02-04| المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس