أول وثيقة مواطنة في التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم

أول وثيقة مواطنة في التاريخ:

المواطنة من صلب الدين، وليست من الدين فقط، من صلب الدين، الدليل، الدليل الكبير: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما قدم المدينة، ولابد من أخذ فكرة عن أطياف أهل المدينة، في المدينة أوس وثنيون يعبدون الصنم، وفيها خزرج وثنيون، وفيها أوس مسلمون وخزرج مسلمون، وفيها يهود، وفيها نصارى، وفيها موال، وفيها أعراب، وفيها من كل الأطياف، فأن يقول النبي الكريم في أول لقاء له، وفي أول وثيقة معرفة في التاريخ بشكل واضح جداً:

أهل يثرب أمة واحدة، سلمهم واحدة، وحربهم واحدة، لليهود دينهم، ولنا ديننا

فالحديث في هذا اللقاء الطيب عن المواطنة، لا يوجد بلد في العالم إلا وفيه أعراق، أنساب، طوائف، مذاهب، أديان، اتجاهات متناقضة أحياناً، فهل في الإسلام منهج لهؤلاء، هؤلاء الذين تباينت اتجاهاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، وطوائفهم، ومنطلقاتهم، وأهدافهم، وألوانهم، وطيوفهم، هؤلاء هل في الإسلام منهج واضح جداً للتعايش فيما بينهم؟.
ليست المواطنة من الدين بل هي من صلب الدين، لأن هذا غير المسلم، لم يقرأ شيئاً عن الإسلام، اقترب أكثر من ذلك، هذا الأسترالي الغير مسلم لم يقرأ القرآن، ولا السنة، ولا الصحابة، ولا تاريخ الصحابة، ولا الفقه، لم يقرأ شيئاً، ما هو الإسلام عنده؟ هذا المسلم الذي يعيش في أستراليا، يفهم الإسلام من هذا فقط، فالأسترالي عليه مسؤولية كبيرة جداً، السبب أنه عندما يقيم المسلم في بلاد مسلمة ويخطئ يشار إلى اسمه أنه أخطأ، أما المسلم المقيم في بلاد المهجر فيشار إلى الإسلام أن دين غير صحيح، لأن في بلاد المهجر المتهم هو الإسلام، وأنت على ثغرة من ثغر هذا الدين فلا يؤتين من قبلك، كل مسلم في أستراليا يمثل سفيراً لهذه الأمة، وما دمت قد قلت: سفير، أنا لي رأي في هذا الموضوع له جانب آخر.

المواطنة في منظور الإسلام :

قال النبي الكريم:

أهل يثرب أمة واحد، حربهم واحدة، وسلمهم واحدة

أنت إنسان ومن مجموع، في مصلحة، إلا، ولابد من إلا، إلا إذا تناقضت مبادئ هذا البلد الذي تعيش فيه مع مبادئ دينك، عندئذٍ أقول لك:

لا طاعة لمخلوق في معصية الله

[أخرجه البزار عن عبد الله بن عمرو بن العاص]

دائماً النبي الكريم يقول:

المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]


img لماذا؟ لأن خيارات المؤمن في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، خيارات المؤمن في العمل الصالح إذا كان قوياً لا تعد ولا تحصى، إذا كان قوياً بالمنصب، بجرة قلم يحق حقاً ويبطل باطلاً، إذا كان قوياً بالمال بماله يحل مشكلات لا تعد ولا تحصى، يزوج شاباً فقيراً، يعالج مريضاً بحاجة لمعالجة، القوة مطلوبة بل أنا أراها فرض عين على كل مسلم، أو إذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً، لأن المؤمن القوي أعماله الصالحة لا تعد ولا تحصى، قلت: إذا كانت قوته بالمنصب بجرة قلم يحق حقاً، إذا كان قوته بالمال بمبلغ يسير يحل مشاكل كثيرة، إذا كانت قوته بالعلم، بالعلم ينفع الأمة، فإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً لأن فرص العمل الصالح أمام القوي لا تعد ولا تحصى.
أما إذا كان طريق القوة على حساب مبادئك وقيمك فالضعف وسام شرف لك.

للهجرة معان كثيرة :

الهجرة لها معان واسعة، الإنسان عندما يترك طريق الشر إلى طريق الخير، فهذه هجرة، الآن إذا ترك رفقاء السوء إلى رفقاء مؤمنين هذه هجرة.
أنا آتي بمثل بسيط: إذا ترك الإنسان بلداً غنياً، حاجاته ميسرة فيه، اطلب تعطى، الحريات مصونة، حقوق الإنسان في أعلى مستوى، لكن في هذا البلد هناك احتمال كبير أن يخسر أهله وأولاده، فعاد إلى بلده، في بلده شدائد، و قسوة أحياناً، وهناك قسوة في العيش، وحريات غير مصونة، حقوق الإنسان غير متوافرة، هذا يعد مهاجراً، مهاجر في بلده، إذا كان في بلد غني جداً، وهناك رفاه شديد، وحريات كاملة، وحقوق الإنسان متوافرة، لكن الخطر كان على دين أولاده، أيقن أن دين أولاده إلى الصفر، فرجع لبلده، يعد عند الله مهاجراً، المهاجر ما هجر الله عنه.

قصة معبرة :

طبيب من ديترويت، مرة زار دمشق، لكن زارها مع مئة طبيب، عملوا مؤتمراً طبياً في دمشق، فأحد الأطباء زوج ابنته في الشام فدعاني إلى عقد القران، كان يحضره مئة طبيب أمريكي، سوريون مقيمون في أمريكا، فألقيت كلمة، نقلت كلمة لعالم جليل القرضاوي، قال:

إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك مسلماً لا يجوز أن تبقى في هذه البلاد

ألقيت الكلمة ببعض أماكن دمشق، خرج طبيب، والله رأيت الدمعة على خده،
قال لي:
ابن ابن ابني؟
قلت له: نعم هكذا قال القرضاوي،
قال لي:
أنا ابني غير مسلماً وبكى.

والحمد الله رب العالمين

منقول عن:
محاضرات وندوات خارجية – أستراليا – الرحلة3 – المحاضرة ( 10 – 25 ) : هل المواطنة من الدين؟ – أسئلة أجوبة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2012-01-17 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس