طوبى

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول عليه الصلاة والسلام :
طوبى لمن تواضع في غير منقصة، وذل في نفسه من غير مسألة، وأنفق مالاً جمعه في غير معصية، ورحم أهل الذل والمسكنة وخالط أهل الفقه والحكمة . طوبى لمن طاب كسبه، وحسنت سريرته، وكرمت علانيته، وعزل عن الناس شره . طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله وأمسك الفضل من قوله

[البخاري في التاريخ الكبير، والبيهقي في شعب الإيمان عن ركب المصري]

طوبى

يعني هنيئاً

طوبى لمن تواضع في غير منقصة

هناك خط دقيق بين التواضع والذل، وهناك مواقف إذا فعلتها تذل نفسك،
وقد قال عليه الصلاة والسلام :

لاَ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ

[الترمذي وابن ماجه عن حذيفة]

وقال صلى الله عليه وسلم :

ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير

[المقدسي في الأحاديث المختارة، والسيوطي في الجامع الصغير عن عبد الله بن بسر]

فعل (تواضع) على وزن تفاعل، ووزن تفاعل من معانيه تصنع الشيء، تقول : تمارض، تعاظم، تمارض ليس مريضاً، ولكنه تصنع المرض، تعاظم ليس عظيماً، ولكنه تصنع العظمة، تعالم ليس عالماً، ولكنه تزيّ بزيّ أهل العلم، فوزن تفاعل يفيد التصنع، فكل الأفعال التي على وزن تفاعل تقريباً مذمومة إلا تواضع، هو ليس وضيعاً، ليس ذليلاً، ليس منحرفاً، ليس مذنباً، هو في أعلى درجات النزاهة، في أعلى درجات الطهر، في أعلى درجات العفة، ومع ذلك تواضع، أي تصنع أن يكون مع عامة الناس، التواضع إذاً أن تكون قريباً ممن هو دونك، لذلك من صفات النبي عليه الصلاة والسلام أنه ما صاحبه أحد إلا ظن أنه أقرب الناس إليه .
دخل سيدنا عمر على سيدنا رسول الله فرآه مضجعاً على حصير، وقد أثّر في خده الشريف، فبكى، قال : يا عمر ما يبكيك ؟ قال : رسول الله ينام على الحصير، وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! قال : يا عمر إنما هي نبوة، وليست ملكاً، هكذا النبوة،
طوبى لمن تواضع في غير منقصة كان تواضعه في المكان الصحيح، تواضع وهو عزيز، تواضع وهو عفيف، تواضع وهو نظيف، تواضع وهو مستقيم، إلا أن كل إنسان حينما يقع يتّضع قهراً عنه، انظر إلى صورة المجرم، وقد ألقي القبض عليه، في أدنى درجات الذلة والمسكنة، أسقط في يده، خافض الرأس، خافض الطرف، هذا ليس تواضعاً، المجرم يتضع، والمنحرف يتضع، والخائن يتضع، والسارق يتضع، والزاني يتضع، إذا زلت قدم الإنسان يتضع، ولكن التواضع الذي أمر النبي عليه الصلاة والسلام به، أو أثنى على صاحبه هو أن تكون في أعلى درجات القوة، ومع ذلك فأنت قريب ممن حولك، طوبى لمن تواضع في غير منقصة.
إذاً حينما لا يحسن الإنسان التصرف، أو حينما يضع نفسه في الموضع الذي لا يليق به فقد ذل، لا نقول: هذا تواضع، هذا ذل، ولا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه .

طوبى لمن ذل في نفسه من غير مسكنة

حالة المؤمن مع الله حالة تذلل، ولكن المؤمن عزيز إلى أعلى درجة، وذليل مع الله إلى أدنى درجة، لأنه عرف ضعفه، وعرف جهله، وعرف نقصه، وعرف أنه طارئ، وأنه حادث، وأنه ميت، ورأى عظمة الله عز وجل فصغرت نفسه أمام ربه، لذلك هو في عين نفسه صغير، لكنه في عين الناس كبير، بعكس الفاجر والفاسق، هو في عين نفسه كبير، وفي عين الناس صغير .
طوبى لمن ذل في نفسه من غير مسكنة الإنسان أحياناً يصاب بمرض عضال يفتقر فقراً شديداً، يشعر بضعفه، لا حيلة له، ليس شيء في يده فيتمسكن، هذا الذل الناتج عن المسكنة ليس فضيلة، ولكن التذلل في نفس المؤمن، فهو أمام ربه ذليل، فكلما تذلل أمام ربه رفعه الله أمام الناس، وكلما استنكف عن طاعة ربه أذله الله بين الناس، العلاقة عكسية، كلما تذللت أمام الله عز وجل، كلما مرغت وجهك في أعتاب الله عز وجل رفع الله لك ذكرك، ورفع شأنك، وأسبغ عليك هيبة ووقاراً، وإذا استنكفت عن طاعة الله، واستكبرت عن عبادته، ورفضت الحق أذلّك الله بين خلقه، فلذلك إما أن تتواضع، وإما أن يضعك الله، إما أن تتذلل في نفسك لله عز وجل، وإما أن يذلك الله أمام خلقه، إما تكون عبداً لله، وإما أن تكون عبداً لعبد لئيم، كن عبداً لله، فعبد الله حر، ولا تكن عبداً لعبد لئيم، فهو الهوان والذل .
كأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول : هنيئاً لمن تواضع في مكان التواضع، تواضع، وعرف قدر نفسه، تواضع ولم يذل نفسه، تواضع في موطن التواضع، وأعز نفسه في موطن العز، كلكم يعلم أن أحد أصحاب رسول الله ركب فرسه في بعض المعارك متبختراً به، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله يكره هذه المشية إلا في هذا الموطن، وقد قيل : التكبر على المتكبر صدقة .
طوبى لمن ذل في نفسه من غير مسكنة فكلمة فعلت وتركت، وبإمكاني أن أفعل، وأنا أعطيتك، ولي فضل عليك، وأنت لولاي ما كنت شيئاً، هذه كلمات فيها اعتزاز بالنفس، فيها كبر، فيها شرك،
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما جمع أصحابه الذين وجدوا عليه في أنفسهم قال : أما إنكم لو شئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فواسيناك، ثم قال: ألم تكونوا ضلالاً – لم يقل فهديتكم قال – فهداكم الله بي .
الحقيقة ليس موضوع التواضع موضوع واقع، إذا أجرى الله الخير على يديك فلا ينبغي أن تنسبه إليك، الله وفقني، وفعلت كذا، الله يسر لي هذا الأمر، أكرمني بهذا البيت، أنعم علي بهذه الصنعة، تفضل علي بهذا العلم، دائماً كلمة أنعم علي، وتفضل علي، وأكرمني، وأجرى على يدي الخير، وجعلني سبباً، هذه كلمات المؤمن، لا يرى أنه فعل شيئاً يقتضي أن يتيه به على خلق الله، دائماً يقول : أكرمني الله، أجرى على يدي الخير، وهكذا …

وأنفق من مال جمعه في غير معصية

الحقيقة لماذا الذي ينفق ماله يشعر بالقرب من الله عز وجل ؟ لأن الإيمان دعوى بالأصل، هو يدعي أنه مؤمن، ولكن حينما أنفق ماله أكد لنفسه قبل غيره أن الله ورضوان الله أغلى عليه من ماله، والمال شقيق الروح .
هناك باخرة غرقت في البحر الأحمر قبل أسبوع، طبعاً باخرة ضخمة تحمل ستمئة راكب، وغرق منها ما يقرب من خمسمئة راكب، ونجا مئة وثمانون، وقصص غريبة جداً ذكرت حول غرق هذه الباخرة، لكن الشيء الذي يلفت النظر أن أحد الذين نجوا نجا بماله قد عارك الأمواج ستاً وثلاثين ساعة، ومعه محفظة فيها كل أمواله، فقلت : والله هذه القصة تؤكد أن المال شقيق الروح، هو يعارك الأمواج، وبين الموت والحياة، ومحتفظ بالمحفظة التي فيها أمواله ؟! قالوا في الصحيفة : تحويشة العمر حافظ عليها كما حافظ على حياته، إذاً المال شقيق الروح، فإذا أنفقت المال فهذا مما يؤكد أن الله أغلى عليك، ورضوانه أغلى عليك من مالك الذي جعله الله شقيق الروح، وإذا صمت رمضان معنى ذلك أن رضوان الله وطاعته أغلى عليك من الطعام والشراب، وإذا ذهبت إلى بيت الله الحرام معنى ذلك أن الله عز وجل والقربى منه وزيارة بيته وأداء فريضته أغلى عليك من أهلك ومالك ومحلك التجاري ومكانتك وكل ألوان النعيم التي في بلدك، إذاً الإنسان لا يرقى إلا بالبذل، إلا بالطاعات، لا يرقى بالاعتقادات، الاعتقاد لابد منه، لكنه شرط لازم غير كاف، بالاعتقاد لا ترقى، لكن ترقى بالبذل .
وأنفق من مال جمعه في غير معصية لأن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، فهذا المال الذي جمعته بكدك وعرقك، والذي تحريت به الحلال،
لأنه كما قال عليه الصلاة والسلام :

من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفوراً له

[السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]

لحكمة بليغة أرادها الله عز وجل جعل كسب المال الحلال صعباً، وجعل كسب المال الحرام سهلا، فإذا شعرت بضيق وحرج وشدة وهموم من أجل كسب المال الحلال، والحرام مبذول أمامك فهذه طاعة لله عز وجل، هناك مفارقات دقيقة، مثلاً من طبيعتك أنك تحب العاجلة وتكره الآجل،
قال تعالى :

(وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولاً)

[سورة الإسراء : 11]

أنت متعلق دائماً بالشيء السريع، والآخرة بعيدة، بعد الموت، والدنيا بين يديك خضرة نضرة، فإذا تركت الدنيا، وطلبت الآخرة فقد ارتقيت إلى الله عز وجل، أنت ضعيف، وقد تسبب لك طاعة الله ضعفاً ومؤاخذة ومسؤولية وحرجاً وضيقاً، ومع ذلك آثرت طاعة الله على كل ما حولك من ضغوط، إذاً ترقى بهذه الطاعة .

وخالط أهل الفقه والحكمة

دائماً وأبداً انظر في الدنيا لمن هو أدنى منك، وانظر في الآخرة لمن هو أرقى منك تسعد في دنياك وأخراك، إذا نظرت في دنياك لمن هو أدنى منك رأيت نعم الله عليك لا تحصى، أما إذا دخلت على الأغنياء البعيدين عن الله عز وجل خرجت من عندهم وأنت على الله ساخط،
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنْ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الْأَغْنِيَاءِ

[الترمذي]

الدخول على الأغنياء أمر خطير، والإنسان في ساعات غفلته وساعات ضعفه وساعات فتور همته يجد أنه لا يملك شيئاً، فيستصغر بيته وأثاث بيته، وما عنده، إلا إذا كان مؤمناً، فهذا المؤمن له حالة خاصة
وخالط أهل الفقه والحكمة، لأن الإنسان إذا خالط أهل الفقه والحكمة يستعير خبراتهم، ويأخذ بعضاً من أحوالهم، ويأخذ من علمهم، ويأخذ من حكمتهم، ويأخذ من مواقفهم، يتعلم من أخلاقهم، ومن أفعالهم، ومن أفكارهم، لذلك حينما يخالط الإنسان أهل الفقه والحكمة يرقى عند الله عز وجل، والصاحب ساحب، قل لي من تجالس أقل لك من أنت .

ورحم أهل الذل والمسكنة

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيَعْرِفْ شَرَفَ كَبِيرِنَا، وَيَعْرِفْ حَقَّ كَبِيرِنَا

[الترمذي، أحمد]

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ عِنْدَ سِنِّهِ

[الترمذي]

من صفات المؤمن العطف على الضعفاء، وتوقير للكبار، فمن كان أكبر منك سناً كان أكثر منك علماً، وأقدم منك في طريق الإيمان، فيجب أن توقره، الحياة كلها أدب،
حينما دخل سيدنا الصديق على النبي عليه الصلاة والسلام كان إلى جانبه سيدنا علي كرم الله وجهه، فقام علي كرم الله وجهه ليجلس محله سيدنا الصديق، النبي عليه الصلاة والسلام تأثر لهذا الموقف الأخلاقي، قال عليه الصلاة والسلام :

لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا أهل الفضل

طوبى لمن ذلت نفسه

لله طبعاً،
قال تعالى :

(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)

[سورة المنافقون : 8]

وطاب كسبه

كسبه حلال، اللهم ارزقني طيباً، واستعملي صالحاً، رزقه طيب، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، رزقك طيب، وعملك صالح، إتقان العمل يجعل كسبك حلالاً، أن تأخذ السعر المناسب يجعل كسبك حلالاً، ألاّ تغش الناس في البيع والشراء يجعل كسبك حلالاً، ألا تنتقص من أموالهم .
أحياناً يريد إنسان أن يبيع شيئاً، شعرت أنه مضطر، تريد أن تأخذها بأقل سعر، بلا ثمن لاضطراره، هذا حرام،
قال تعالى :

(وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ)

[سورة هود : 85]

فلذلك يطيب كسبك إذا صدقت مع الناس، يطيب كسبك إذا أنصفته، يطيب كسبك إن لم تبتز أموالهم، يطيب كسبك إن لم تنتقص ما عندهم، يطيب كسبك إن لم تغشهم، يطيب كسبك إن أعطيتهم شيئاً فوق ما يستحق.

وحسنت سيرته، وحسنت سريرته

المؤمن فمن داخله نظيف، ليس عنده حقد، ولا عنده أسلوب الاحتيال، والمكر، والخداع، والخيانة، والمؤامرة، والتدبير، ليس عنده موقف معلن وموقف مبطن، سر وعلانية، يعتقد ما لا يقول، ويقول ما لا يعتقد، هذه أخلاق المنافقين، المؤمن بر كريم، والفاجر خب لئيم .
قال تعالى :

(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ)

[سورة المنافقون : 4]

وكرمت علانيته

من غير المقبول أن يكون مؤمنًا مظهره فيه إهمال، أنت مؤمن حتى المظهر الخارجي يجب أن يكون مقبولاً من دون فخامة، لكن من دون ضعف، فمن الدين أن تكون الثياب نظيفة، ومكان العمل مرتباً، والبيت مرتباً، فلا داعي أن يكون الإنسان مظهره غير مقبول، مظهره منفر، بيته منفر، محله التجاري منفر، علاقاته فوضى، غبار في دكانه، حساباته غير مضبوطة، بدعوا الزهد ليس هذا هو الإيمان فالزهد شعور قلبي وليس مظهر فقد تكون زاهداً وأنت من أغنى الأغنياء.

وعزل عن الناس شره

طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس،
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

مِنْ حُسْن إسلام المرءِ تِرْكهُ ما لا يَعنِيه

طوبى لمن عمل بعلمه، وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله

فضل القول امسكه، وفضل المال أنفقه، وعمل بعلمه .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: شرح الحديث الشريف – أحاديث متفرقة – الدرس (045 – 127 ) : أحاديث تبدأ بـ طوبى …..لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1991-12-22 | المصدر

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس