من شمائل النبي رجاحة عقله

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة الكرام ؛ مع شمائل النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أرجحيَّة عقله الشريف صلَّى الله عليه وسلَّم على سائر العقول .

العقل النعمة الكبرى

أيها الإخوة الكرام ؛ بادئ ذي بدء ما من نعمةٍ أعظم ولا أجل ينعم الله بها على عبده كنعمة العقل، بل هي أعظم نعمة على الإطلاق، وبالمناسبة الإنسان أعقد كائن في الكون، وأرقى مخلوق، وهو المخلوق الأول، والمخلوق المكرَّم، والمخلوق المكلَّف، وأعقد ما فيه عقله، فمن نعمة الله العُظمى أن يمنح الله العبد عقلاً راجحاً .. أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبَّا .
هذا العقل الراجح من لوازمه أن يعرف الله، ومن لوازمه أن يحب الله .

1.الفرق بين العقل والذكاء

وهنا نقطة أحب أن أعالجها قبل أن أخوض في الموضوع، قد تجد إنسانًا يحمل شهادة عالية ولا يصلي، ويشرب الخمر، وقد يزني، فكيف نوفِّق بين رجاحة العقل، وبين طاعة الله عزَّ وجل ؟ هذا الموضوع بعض العلماء حلَّه على الشكل التالي : فرَّق بين العقل والذكاء، فالذكاء متعلِّق بالجُزئيات، وأما العقل فمتعلِّق بالكُليات،
فالذي يعرف الله سبحانه وتعالى، ويعرف سر الحياة، ويعرف رسالة الإنسان في الحياة هو العاقل، أما الذي يختص باختصاص ضيِّق، ويبدع فيه، ويتفوَّق فهذا ذكي، فالذكاء صفةٌ متعلِّقةٌ بالجزئيات، فلانٌ ذكيٌ فيما هو فيه، ذكيٌ في اختصاصه، وقد يكون بعض المجرمين في أعلى درجات الذكاء، لأنهم يخطِّطون بشكلٍ عجيب، فهل هم عقلاء ؟ لا، إطلاقاً، فالعقل من خصائص المؤمن .. أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حبًّا .
وسوف ترون معي بعد قليل أنه ما من مخلوقٍ على وجه الأرض أعقل من رسول الله، لأن العقل هداه إلى الله، ولأن العقل هداه إلى أن يحبَّه، وإلى أن يُخلص له، وإلى أن يجعل حياته كلها في مرضاته، لذلك استحقَّ هذا المقام المحمود.
أيها الإخوة الكرام ؛ البطولة أن تأتي إلى الدنيا، وأن تستغل هذا العمر المحدود إلى أعلى درجة، فهناك أذكياء جمعوا أموالاً طائلة، وسكنوا بيوتاً فارهة، ثم جاء الأجل، وانتهت حياتهم، وكأنهم لم يكسبوا شيئاً، هل هم عقلاء ؟ لا والله، كانوا أذكياء ولم يكونوا عقلاء، أما هؤلاء الذين جاؤوا وغادروا، وعرفوا قيمة العمر، وعرفوا ربهم، ووضعوا كل طاقاتهم في خدمة هذا الهدف السامي، فلما دنا أجلهم كانوا من أسعد الناس.
أيها الأخ الكريم ؛ عقلك كل عقلك يظهر ساعة اللقاء مع الله، لذلك الناس لا يدخلون هذه الساعة الحرجة الخطيرة في حساباتهم أبداً، فإذا جاءت أين عقله ؟
إنّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكَّة، نظر إليه أبو سفيان نظرةً عميقةً وقال :

ما أعقلك، وما أحكمك، وما أرحمك، وما أوصلك

عقلٌ ما بعده عقل، ورحمةٌ ما بعدها رحمة، وحكمةٌ ما بعدها حكمة، إنه وفاءٌ لأقاربه ما بعده وفاء.
وأول شهادة من الله عزَّ وجل لأرجحية عقله صلَّى الله عليه وسلَّم
وهي قوله تعالى :

(ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2))

[سورة القلم]

فهذه نعمةٌ عظمى، هذه الآية تذكِّرني بآيةٍ أخرى :

(قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28))

[سورة هود]

إن المؤمن يعيش في رحمةٍ عُمِّيت على عامة الناس، ويعيش في سعادةٍ لا يعرفها عامة الناس، ويعيش في طمأنينةٍ لا يعرف معشارها عامة الناس، ويعيش في سكينةٍ يتجلَّى الله بها عليه لا يعرفها أهل الدنيا،
ولذلك أحد العارفين يقول :

ماذا يصنع أعداء بي، بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن سجنوني فسجني خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة

وهو نفسه يقول :

مساكين أهل الدنيا، جاؤوا إلى الدنيا، وغادروها، ولم يعرفوا أجمل ما فيها، وهو القرب من الله عزَّ وجل

هذه الآية أيها الإخوة شهادة خالق الكون لنبيِّه الكريم بأنه كان في أعلى درجات العقل، حينما أنعم الله عليه بنعمة النبوُّة والرسالة .
يقول بعض العلماء :

إن الله تعالى لم يعطِ جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها، من العقل في جنب عقل محمدٍ إلا كحبَّة رملٍ من جميع رمال الدنيا، وأن محمداً أرجح الناس عقلاً، وأفضلهم رأياً

وكلَّما كبر عقلك ازداد قربك، وكلَّما كبر عقلك ازداد خوفك من الله، وكلَّما كبر عقلك ازداد حبَّك له، فكأن هناك مؤشِّرين يعملان معاً، رجاحة العقل تعني طاعة الله، وتعني محبَّة الله، وتعني الخوف من الله، وتعني الشَوْق إلى الله، فأنت امتحن عقلك بحالك وبعملك وبقلبك .
وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام عندما أسلم سيدنا خالد بن الوليد، دخل سيدنا خالد على رسول الله فسلَّم عليه بالنبوَّة، قال له :” السلام عليك يا رسول الله “،
خالد بن الوليد الذي انتزع منه راية النصر في أحد، من العمالقة، ومن القادة الكبار
فقال عليه الصلاة والسلام :

(تعالَ أقْبِل) فأقبل،
فقال النبي : الحمد الله الذي هداك، فقد كنتُ أرى لك عقلاً، ورجوت أن لا يسلمك إلا إلى الخير

هذه إشارة من رسول الله إلى أن هذا الدين ينبغي أن يُقبل عليه العُقلاء، ومن لوازم العقل أن تقبل على هذا الدين، فكان النبي يعجب من سيدنا خالد، إنه رجل عاقل، وفَطِن ومع ذلك لماذا تأخَّر إسلامه ؟
عن قُرَّة بن هُبَيرة رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلَّم فقال :

إنه كان لنا أربابٌ وربَّاتٌ نعبدهن من دون الله عزَّ وجل، فدعوناهنَّ فلم يجبن، وسألناهن فلم يعطين فجئناك فهدانا الله بك فنحن نعبد الله

فقال عليه الصلاة والسلام :

((قد أفلح من رُزِقَ لبًّا))

العقل لُب، تصوُّر برتقالة بلا لُب، هناك أشخاص عندهم مهارة ينزعون اللُّب، ويرجعون القشرة إلى ما كانت عليه، فالإنسان يمسكها فإذا هي فارغة، فيصاب بخيبة الأمل، والإنسان عندما تعامله من أول كلمة تعرف أنه عاقل أم مجنون، فالنبي الكريم يقول :

((قد أفلح من رُزِقَ لبًّا))

قال تعالى :

(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ (19))

[سورة الرعد]

أيها الإخوة الكرام ؛ قال الله تعالى :

(إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِياًّ لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2))

[سورة يوسف]

فمن أجل أن تعقلوا، وكل هذا القرآن من أجل أن تعقل،
قال النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه:

رأس العقل بعد الإيمان بالله الحياء وحسن الخلق

[من الجامع الصغير : عن أنس]

2.العقل والنقل متوافقين

ويُروى أن أعرابيًّا دخل على النبي صلى الله عليه وسلَّم، وبيَّن له النبي أوامر الإسلام ومناهيها، فخرج الأعرابي وأعلن إسلامه، فقال له قومه : ” بمَ عرفت أنه رسول الله ؟ ” فقال الأعرابي : ” ما أمر محمٌد بأمرٍ فقال العقل ليته نهى عنه، ولا نهى عن شيءٍ فقال العقل ليته أمر به “،
أي توافق الأمر والنهي مع العقل ولا يمكن أن يتعارض العقل مع النقل، ولأن العقل مقياسٌ أودعه الله فينا والنقل كلامه، فهل يعقل أن تتناقض إرادة الله عزَّ وجل ؟ لقد أنزل على نبيِّه الكتاب وأودع فينا العقل، فالعقل مقياسٌ أودعه فينا، والكتاب وحيٌ أوحاه إلى النبي، فهذا من عنده وهذا من عنده، فالمعقول يتوافق مع المنقول، ولكنك لو رأيت تناقضاً بين العقل والنقل، فإنما هو تناقضٌ بين العقل وبين النقل غير الصحيح، أو بين النقل الصحيح وبين العقل الجامح، أما العقل المُطلق، العقل المتوازن فلا يمكن أن يتناقض مع النقل .

3.الإيمان باليوم الآخر باستخدام العقل

بالمناسبة أنا حينما أرى الشيء أحكم على صانعه، هذا شيء أمامي ملموس مرئي مُشاهد، فالعقل يستطيع أن ينتقل من المحسوس إلى المجرَّد، ومن المُشاهد إلى الغائب، ومن الجزء إلى الكُل، فهذه مهمَّة العقل إطلاقاً، لكن اليوم الآخر ليس له آثار في الدنيا، الإيمان باليوم الآخر إيمان تصديقي محض، إيمان تصديقي بما أخبر الله به، ولكن ثمة سؤال : هل هناك دليلٌ عقلي لا نقلي لليوم الآخر ؟ فلو أنّ إنسانًا ما قرأ القرآن، ولا التوراة، ولا الإنجيل، ولا استمع في حياته إلى خطبة، ولا إلى موعظة، ولا قرأ كتابًا إطلاقاً، هل يستطيع بعقله وحده أن يصل إلى أن هناك يومًا آخر ؟
بعض العلماء وأنا أعجبني هذا المثل، قال : لو فرضنا مسرحيَّة، وأول فصل مُثِّل، ثم أُرخي الستار، لِمَ لم يخرج روَّاد هذه المسرحيَّة من المَسرح ؟ لأن القصَّة لم تنتهِ بعد، والعقدة لم تنحلّ، فهناك بداية وعقدة ونهاية، والعقدة لم تُحل .
اسمعوا الآن إلى هذه المحاكمة العقليَّة حول اليوم الآخر،
أدرك عبد المطلب حقيقة الآخرة بعقله، ذلك أنه قال يوماً : ” ما من ظالمٍ يشتدَّ ظلمه إلا انتقم الله منه قبل أن يموت ” فقيل له : ” فلان جار وطغى “، فقال : “انتقم الله منه يوم كذا وكذا، فقيل له : فلان، فقال : ” انتقم الله منه يوم كذا وكذا ” فقيل له : ” فلان جار وطغى ولم يصبه شيء “، ففكَّر طويلاً ثم قال : ” إذاً لابدَّ من يومٍ آخر ينتقم الله منه ” .
في الدنيا قوي وضعيف، وغني وفقير، وظالم ومظلوم، إنسان يعيش عمرًا قصيرًا، وإنسان يعيش عمرًا مديدًا، وقد يموت الظالم قبل أن ينتقم الله منه، وهكذا، أليس هناك يوم تسوَّى فيه الحسابات ؟ ويؤخذ حق المظلوم من الظالم ؟ وحق الضعيف من القوي ؟و حق الفقير من الغني ؟ فما دام فلان جاء إلى الدنيا وطغى وبغى ولم يعاقب إذاً لابدَّ من يومٍ آخر .
إخواننا الكرام ؛ هناك مقولة لطيفة : عظمة الخلق تدل على عظمة التصرُّف، وكمال الخلق يدل على كمال التصرُّف، ودائمًا هناك انسجام بين كمال الخلق وكمال التصرُّف،
فالمقولة : كمال الخلق يدل على كمال التصرُّف، فالكون فيه كمال بالخلق، إذاً خالقه لابدَّ من أن يكون كامل التصرُّف، فإذا كان هناك قوي وضعيف، وظالم ومظلوم، وغني وفقير، وصحيح ومريض، ومعمِّر وقصير العمر، ويأتي الموت فينهي كل شيء، صار هذا ظلًام شديدًا، فلابدَّ من يومٍ آخر تسوَّى فيه الحسابات .
لكن الكفَّار ماذا يقولون ؟ يقولون :

(وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10))

[سورة الملك]

4.الحقيقة تصل إليها إما نقلاً أو عقلاً

والآية دقيقة، إنّ الإنسان أحياناً إما أن يأكل طبخًا جاهزًا وإما أن يطبخ بيده، فأنت إذا استمعت للحق تستمع له جاهزًا، وإذا أردت أن تتأمَّل وتفكِّر تصل إلى النتائج نفسها ..

(وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10))

[سورة الملك]

فلابدَّ أن تسمع، ولابدَّ أن تعقل، والأكمل أن تجمع بينهما .

5.يستحق السعادة من يستخدم عقله

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

أول ما خلق الله العقل فقال له : أقبل فأقبل، ثم قال له : أدبر فأدبر، ثم قال الله عز وجل : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي

[من أحاديث الإحياء : عن أبي أمامة]

فالإنسان يستحق السعادة العظمى عندما استخدم عقله، ويستحق الشقاء الأبدي عندما عطَّل عقله، بك أعطي وبك آخذ .

أمثله على رجاحة عقله صلى الله عليه وسلم

1.حوار النبي مع الكافر

يقال إن حصين والد عمران بن حصين كان يعبد سبعة أصنام في الجاهلية، ويرى أنها آلهة، وكان مُعظماً في قريش، فجاؤوا إليه
وقالوا له: كلم لنا هذا الرجل ـ يقصدون النبي عليه الصلاة والسلام ـ فإنه يذكر آلهتك، ويسبها،
وجاؤوا معه حتى جلسوا قريباً من باب النبي عليه الصلاة والسلام، دققوا في رجاحة عقل النبي
فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أوسعوا للشيخ، أي الغلظة والاستعلاء ليست من صفات المؤمن، يعبد سبعة أصنام في الأرض فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال: أوسعوا للشيخ،
فقال حصين للنبي بضمير المفرد: ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا؟
فقال النبي عليه الصلاة والسلام:

يا حصين كم تعبد من إلهٍ ؟،

قال: سبعاً في الأرض وواحداً في السماء، أي ثمانية،
فقال عليه الصلاة والسلام:

فإذا مسَّك الضر من تدعو؟

فقال حصين: أدعو الذي في السماء،
قال:

فإذا هلك المال من تدعو؟

قال: أدعو الذي في السماء،
قال عليه الصلاة والسلام:

فيستجيب لك وحده وتشركهم معه؟ في الشدة تدعو الذي في السماء يستجيب لك الذي في السماء وتشركهم معه، هذا الكلام معقول؟ أرضيته في الشكر وتجعلهم آلهة معه في الأرض؟ أرضيته في الشكر أم تخاف أن يغلب عليك؟

فقال حصين: لا واحدة من هاتين،
فقال عليه الصلاة والسلام:

يا حصين أسلم تسلم

فقال: إني لي قوماً وعشيرةً، لو قلت كما تطلب مني لفقدت مكانتي.
طبعاً هذه مشكلة، الأديان الأخرى صدقت بالنبي الكريم لكنها لم تعترف به خوفاً على مركزها، وعلى مكتسباتها،
فقال: ماذا أفعل بحالي؟
فقال له النبي عليه الصلاة والسلام:

قل اللهمَّ أستهديك لأرشد أمري، وزدني علماً ينفعني

فقالها حصين، فلم يقم حتى أسلم.
انظر إلى الحوار المنطقي، والهادئ، واللطيف، وتكريمه، أوسعوا للشيخ،
فقام إليه عمران ابنه – وكان موجود عند النبي حيث أنه قد أسلم سابقاً – فقبَّل رأسه، ويديه، ورجليه أمام النبي عليه الصلاة والسلام، فلما رأى النبي هذا بكى، وقال:

بكيت من صنيع عمران

دخل حصين أبوه وهو كافر فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم قضى حقَّه فدخلني من ذلك الرقة.
أيها الأخوة الكرام، لماذا نتحدث عن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام؟ لأنها منهج تفصيلي، يجب أن تكرم من كان في قومه كريماً، أوسعوا للشيخ، يجب أن تحاور حواراً منطقياً، يجب ألا تستعلي عمن تحاور، يجب أن تكرم من تحاور، بالحوار الهادئ، المنطقي، الواضح، الذي فيه أسئلة وتعليقات.

2.حوار النبي مع من يرد المعصية

قال له إنسان : ” ائذن لي بالزنا “، والصحابة قاموا إليه، الآن انظر إلى المنطق، وإلى الحجَّة، أنت عندما تخاطب عقل الإنسان بهدوء، وتعطيه الحجَّة القويَّة وتحاصره فتفلح معه، فالقضيَّة ليست بالصياح، ولا بالضجيج، ولا بارتفاع الصوت، إنَّ الحجَّة تقارع الحجَّة،
قال له :ائذن لي بالزنا “، فالصحابة ضجوا وقاموا إليه،
فقال عليه الصلاة والسلام : ” لا ” قال :

يا عبد الله أترضى أن يزني الناس بأمك ؟

فقال : ” لا ” قال :

كذلك الناس يكرهون، قال : أترضى أن يزني الناس بابنتك ؟

قال : ” لا ” فقال :

كذلك الناس يكرهون

فقال : ” يا رسول الله أُشْهِدُكَ أني تبت من الزنا ” .
وفي رواية تقول : ” دخلت على رسول الله وما من شيءٍ أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده وما شيءٌ أبغض إليَّ من الزنا ” بالمنطق.

3.رجاحة عقله عند بناء الكعبة

اختلفت القبائل على من يمسك الحجر الأسود عند بناء الكعبة، وكادت أن تنشب فتنة كبيرة، فماذا فعل النبي ؟ جاء برداء ووضع الحجر بيده الشريفة في الرداء، وأمر كل رأس قبيلة يحمل طرف من الرداء، أليس هذا عقلاً راجحاً ؟ .

4.قدرته على تحليل المعطيات

إنّ تقصي المعلومات في الحرب عمل مهم، والمعلومات الآن هي أخطر شيء، والآن عصر ثورة المعلومات،
فكان في بعض المعارك، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ :

لَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَصَبْنَا مِنْ ثِمَارِهَا فَاجْتَوَيْنَاهَا وَأَصَابَنَا بِهَا وَعْكٌ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَبَّرُ عَنْ بَدْرٍ فَلَمَّا بَلَغَنَا أَنَّ الْمُشْرِكِينَ قَدْ أَقْبَلُوا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بَدْرٍ وَبَدْرٌ بِئْرٌ فَسَبَقَنَا الْمُشْرِكُونَ إِلَيْهَا فَوَجَدْنَا فِيهَا رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَمَوْلًى لِعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَأَمَّا الْقُرَشِيُّ فَانْفَلَتَ وَأَمَّا مَوْلَى عُقْبَةَ فَأَخَذْنَاهُ فَجَعَلْنَا نَقُولُ لَهُ كَمْ الْقَوْمُ فَيَقُولُ هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ قَالَ ذَلِكَ أخذوه حَتَّى انْتَهَوْا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ كَمْ الْقَوْمُ قَالَ هُمْ وَاللَّهِ كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ شَدِيدٌ بَأْسُهُمْ فَجَهَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْبِرَهُ كَمْ هُمْ فَأَبَى ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ كَمْ يَنْحَرُونَ مِنْ الْجُزُرِ فَقَالَ عَشْرًا كُلَّ يَوْمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقَوْمُ أَلْفٌ كُلُّ جَزُورٍ لِمِائَةٍ

وكان الأمر كذلك .

5.حنكته القيادية

عليه الصلاة والسلام، لقد كان في أعلى درجات الحنكة القياديَّة،

1.تهيئة مترجمين

فأمر بعض أصحابه أنْ يتعلَّم السريانيَّة، وأمر بعض أصحابه أن يتعلَّم العبرانيَّة حتى يأمن مكر هؤلاء، فما كان يقبل من مترجم غير مسلم يترجم له، فأمر أصحابه يتعلَّموا هذه اللغات حتى إذا جاءه كتاب بالسريانية أو بالعبرية كان يكلِّف الصحابي يترجمه له، لئلا يحتال عليه هؤلاء أحد .

2.في معركة الخندق

عندما أمر سيدنا حذيفة بن اليمان أن يذهب إلى معسكر الأعداء في معركة الخندق، ودخل وجلس، وأمره أن لا يحدث شيئاً فقال له عليه الصلاة السلام

اذهب وأتني بخبر القوم ولا تحدث شيئاً حتى تأتيني

فهذا ذهب إلى الجيش المعادي وجلس، فشعر أبو سفيان أن هناك أشخاصًا غرباء يستمعون، فقال : ” كلٌ منكم يتفقَّد صاحبه “، فكان سريع البديهة ـ سيدنا حذيفة ـ أمسك بيد جاره وقال له : ” من أنت ؟ “، فقال له : ” أنا فلان ” لو تأخَّر لاكتشف أمره .
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم

المؤمن كيس فطن حذر

[من الجامع الصغير : عن أنس]

قال الله تعالى :

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ)

[سورة النساء : من آية 71]

هل هناك أعلى من هذا الذكاء ؟ تدخل معسكر العدو، وتجلس بينهم، وتستمع إلى مقولة قائدهم، وحينما يشعر القائد أن هناك من يستمع ويقول : ( تفقَّدوا أصحابكم)، فيبادر ويمسك بيد جاره ويقول له: (من أنت ؟) .

3.فتح مكة

ورد أن النبي صلى الله عليه وسلَّم لما توجَّه لفتح مكَّة، وانتهى إلى ممر الظهران، أمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نارٍ لتراها قريش، وتَرْهَبَ من كثرتها، حتى قال أبو سفيان ومن معه حين رأوا من بعيد : ” لكأنها نيران عرفة “، أي في كثرتها، وكان ذلك مما ألقى الخوف في قلوبهم، كما أمر عمَّه العبَّاس أن يُجلس أبا سفيان على الطريق عند مضيق خطم الجبل، ليشاهد جيوش المسلمين وكتائبهم حين تمرُّ عليه، ثم جعلت تمر عليه كتيبةً كتيبة، فجعل أبو سفيان يقول للعبَّاس : ” من هذه الكتيبة يا عباس ؟ ” وطفق العباس يخبره عن تلك الكتائب واحدةً واحدة، وذلك مما حمل أبو سفيان على التضامن والاستسلام .
فما من أسلوبٍ حديثٍ في كسب المعركة إلا والنبي عليه الصلاة والسلام انتبه إليه، واستخدمه في أروع ما يستخدم القائد الحكيم الأساليب الذكيَّة العاقلة .
الفرق بين العقل والذكاء هو أن الذكاء متعلِّق بالجزئيات، بينما العقل متعلِّق بالكليات، فقد يكون المرء ذكياً وليس عاقلاً، وقد يكون عاقلاً وليس ذكاؤه في المستوى العالي،
لذلك قال عليه الصلاة والسلام :

كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ

[من سنن الدارمي : عن مسروق]

أي لمجرَّد أن تخشى الله فأنت عالِم، أي عرفت أن لك رباً، وأن له منهجاً، وأن عليك أن تطيعه، فمعرفة هذا الشيء دليل رجاحة العقل .

6.اختياره لفريق العمل

كيف أن السُبحة عبارة عن مجموعة حبَّات، فيها خيطٌ ينظمها جميعاً، وقد لا يرى الخيط، لكنه موجود، فالإنسان حينما يوفَّق في فهم نص أو فهم موضوع، ويضع يده على المحور الذي ينظم حبات العقد كلها، فمن رجاحة عقل النبي أنه كان يحسن انتقاء معاونيه، والإنسان فرد، لكن مَن الذين يتصلون بالمجتمع ؟ المعاونون، يرسل منهم رسولاً إلى ملك، ويُعيِّن قائدًا على جيش، فهؤلاء الذين كان يختارهم النبي عليه الصلاة والسلام، كان يختارهم بعناية فائقة، وكان يختارهم من بين نخبةٍ عالية المستوى من أصحابه .
لذلك فالإنسان إذا أساء اختيار معاونيه هَلَك، وإذا أحسن اختيار معاونيه نجح، فمحور الدرس كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار قواد الجيوش، وكيف كان يختار رسله إلى الملوك، وكيف كان يختار في المهمات الخاصة نخبةً عاليةً من أصحابه الكرام .
فالإنسان كما تعلمون – أيها الإخوة – قويٌ بإخوانه، وضعيفٌ بإخوانه، فلو كان الذين حولـه ضعافًا، متكاسلين، ضعافَ التفكير، ضعاف العزائم، لهم أهدافٌ لا تتناسب مع عظمة هذه الدعوة، فالدعوة تَسْقُط .

1.في يوم خيبر

فالنبي عليه الصلاة والسلام ينتقي لخوض المعارك العنيفة أكفأ الرجال من الأبطال، بحسب الاستعداد والمناسبة، ثم يتبين للصحابة الكرام، دقة نظره صلى الله عليه وسلم في تعيين ذلك الرجل الذي انتقاه،
قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ خَيْبَرَ :

لَأُعْطِيَنَّ هَذِهِ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَالَ فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقِيلَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ

[رواه البخاري]

عن عليٍ كرم الله وجهه قال :

فما رمدت ولا صُدِعَت منذ أن مسحها رسول الله صلى الله عليه وسلم

مرةً بحث عن إنسان لمهمة، فعرض عليه أصحابه اسم رجل من صحابته،
فقال الرسول صلى الله عليه وسلم بلطف وأدب :

ليس هناك

أي ليس في مستوى هذه المهمة، فكان يعرف أقدار الرجال، ويعرف قُدرات الرجال، ويعرف طاقات الرجال، ويعرف خصائص الرجال، ويعرف الميزات التي يتمتَّع بها الرجال، وكان ينتقي لكل مهمةٍ أعلى رجل من أصحابه، تتوافق خصائصه مع هذه المهمة .

2.في معركة أُحد

يوم أحد اشتدت المعركة،
فقال عليه الصلاة والسلام :

من يأخذ هذا السيف بحقه ؟

فقام إليه رجال منهم الزبير بن العوام، فطلبه ثلاث مرات، كل ذلك يُعرض عنه النبي، حتى قام إليه أبو دُجانة، فقال : ” وما حقه يا رسول الله ؟ قال : أن تضرب به وجه العدو حتى ينحني ” ـ السيف ـ وكان رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام يختال ويتبختر في مِشيته قال : ” إنها لمشيةٌ يبغضها الله إلا في هذا الموطن فهو يحبها الله عزَّ وجل
إن الله يبغض هذه المشية ؛ مشية التكبُّر إلا في هذا الموطن، فالإنسان أمام الكفار ليس له حق أنْ يتواضع، ولا أنْ يتطامن، ولا يتدروش، الحكمة أن تريهم قوةً، أن تريهم ثقةً بالنفس، أن تريهم شرفاً، ولكنْ يجب مع المؤمن أنْ تتواضع،
فإنَّ الله عزَّ وجل وصف المؤمنين فقال القرآن الكريم :

(أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ)

[سورة المائدة : من آية 54]

إخواننا الكرام في نقطة دقيقة ؛ نستفيد منها جميعاً في كل موضوعات السيرة، إنْ فعل النبيُّ شيئًا وهو المشرِّع، فمعنى (مُشَرِّع) أنَّ هذا الشيء يقاس عليه ألفُ شيء، يعني مثلاً :
لما رأى صحابيين ومعه زوجته صفية، ماذا فعل النبي ؟ قال :

عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ

[البخاري عن صفية]

فهذه حادثة واحدة، لكنك من الممكن أن تقيس عليها الكثير من الحوادث، لأن النبي مشرع، وهذه فعلها تشريعاً،
فلو كنت تحاسب إنسانًا فبيِّن له، وأنت في المحل التجاري فدخلت امرأة، وقلت لها : أهلاً وسهلاً، نحن مشتاقون لكِ، وكانت أختك، قل لمَن يتواجد : هذه أختي، بيِّن له أنّ هذه المرأةَ أختك،
دخلتَ إلى محلك ليلاً ؛ ساعة الثانيةَ عشرة، فقل للحارس : أنا داخل لآخذ سندًا، عندي غداً صباحاً باكراً سفر، بيِّن له، لكي لا يقول : لماذا جاء الساعة الثانية عشر ليلاً إلى المحل ؟ قد يقول في نفسه : لعل خلافًا وقع مع شريكه، فجاء ليختلس ويسرق .
فما دام النبي مشرِّعًا، ففِعلُه يُقاس عليه، ولو كان غير مشرع فهي مجرَّد حادثة وقعت، وربَّما لا تقع مرة ثانية، لكنه ما دام مشرعًا فالحادثة التي وقعت معه قد تقيس عليها الكثير من الحوادث، إذاً لما قال: هذه زوجتي صفية “، فأنت يجب ألاّ تسمح لتصرف من تصرفاتك يثير الشبهات،
يقول سيدنا علي :

لا تضع نفسك موقع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك

فالذي يضع نفسه موضع التهمة يجب أن يتحمل لوم الناس له، والتشهير به، لأنه هو المذنب .
فأخذ أبو دجانة عصابةٍ له حمراء فعصب بها رأسه، فقالت الأنصار : ” أخرج عصابة الموت “، فخرج وهو يقول شعرًا فاسمعوه :

أنا الذي عاهدني خليلي..***.. ونحن بالسفح لدى النخيل
ألاّ أقوم الدهر في الكيول***أضرب بسيف الله والرسول

الكيول : أي في مؤخِّرة الصفوف .
فجعل لا يلقى أحداً من المشركين إلا قتله، قال الزبير : وكان في المشركين رجلٌ لا يدع لنا جريحاً إلا أجهز عليه، فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين، أي تبادلا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بترسه فعضَّت بسيفه، وضربه أبو دجانة فقتله.
فالنبي الكريم انتقى لمعركة خيبر سيدنا عليًّا، وفي أُحُد حينما اشتد الأمر على المسلمين اختار أبا دجانة ليضرب بسيفه .

7.مراسلته لملوك عصره

فالنبي الكريم من رجاحة عقله أنه إذا أرسل رسلاً يختارهم من أعلى المستويات إلى الملوك، أي قام بما يُسمى الإعلام الخارجي

1.العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى

فالعلاء بن الحضرمي بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المنذر بن ساوى، ومعه كتابٌ يدعوه إلى الإسلام، فلما قدم عليه قال له – اسمعوا كلام الصحابي الجليل العلاء بن الحضرمي لما التقى بالمنذر بن ساوى، أحد الملوك ومعه كتاب مِن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال له الرسول :
” يا منذر إنك عظيم العقل، فلا تصغرن في الآخرة ـ أي يجب أن يهديك عقلك إلى الإسلام، فلو لم يهدك إلى الإسلام لصغُر عقلك في الآخرة ـ إن هذه المجوسية شر دين، أنهم ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا ناراً تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم العقل ولا الرأي، فانظر هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا ألاّ تصدقه ؟! ولمن لا يخون ألاّ تأمنه ؟! ولمن لا يخلف ألاّ تثق به ؟! فإن كان هذا هكذا، فهذا هو النبي الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقلٍ أن يقول : ليت ما أمر به ما نهى عنه، وما نهى عنه أمر به، أو ليته زاد في عفوه، أو نقص في عقابه، إذ كل ذلك منه على أمية أهل العقل وفكر أهل النظر” ـ تصرفاته حكيمة، عفوه في مكانه، عقابه في مكانه، صلته في مكانها، عطاؤه في مكانه، أمره في مكانه، نهيه في مكانه ـ
يقول له المنذر : ” قد نظرت في هذا الذي بين يدي من دين المجوسية فوجدته للدنيا دون الآخرة، ونظرت في دينكم فرأيته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دينٍ فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمسِ ممن يقبله – أيْ يدخل فيه -، وعجبت اليوم ممن يرده، وسأنظر ” .

2.المهاجر بن أبي امية المخزومي إلى الحارث ابن عبد فُلالٍ أحد ملوك حِمْيَر

وعندنا رسول آخر اسمه المهاجر بن أبي أمية المخزومي، شقيق أم سلمة أم المؤمنين، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحارث ابن عبد فُلالٍ أحد ملوك حِمْيَر، فلما قدم عليه المهاجر قال له :
” يا حارث إنك كنت أول من عرض عليه المصطفى نفسه، فخطئت عنه، وأنت أعظم الملوك قدراً، وإذا نظرت في غَلَبَةِ الملوك فانظر في غالب الملوك ـ الذي يغلبهم ويقهرهم، اتقِ غالب الملوك، ولا تنظر إلى غلبة الملوك ـ وإذا سرك يومك فخف غَدَك، وقد كان قبلك ملوكٌ ذهبت آثارها وبقيت أخبارها، عاشوا طويلاً وأملوا بعيداً وتزودوا قليلاً، فمنهم من أدركه الموت، ومنهم من أكلته النِقَمُ، وأنا أدعوك إلى الرب الذي إن أردت الهدى لم يمنعك، وإن أرادك لم يمنعه منك أحد، وأدعوك إلى النبي الأمي الذي ليس شيءٌ أحسن مما يأمر به، ولا أقبح مما ينهى عنه، واعلم أن لك ربًّا يميت الحي، ويحي الميت ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ” .
هؤلاء الرسل الذين بعث بهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الملوك كانوا في مستوى المهمة، إذاً أحد أكبر مهام القائد أن يختار للمهمات الصعبة أكفأ من حوله، أجل أن يختار أكفأ من حوله، وأقدر من حوله على أن يقوم بالمهمة خيرَ قيام، وهكذا فعل النبي في الحرب، وفي السلم، في الدعوة الداخلية وفي الدعوة الخارجية .

8.مداراته للسفهاء

يقول عليه الصلاة والسلام :

رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس

[من الجامع الصغير : عن سعيد بن المسيب]

فالذي عنده قدرة أن يتودد إلى الناس، يتقرب منهم، يلين الكلام معهم، يعفو عنهم، يغفر خطيئتهم، يسامحهم، يدلهم على الله عزَّ وجل، هذا أعظم عمل يأمرك العقل به، فكان عليه الصلاة والسلام يداري السُفهاء والحمقى، ليكُفَّ من غائلتهم وشرهم، وليستميلهم ويجلب قلوبهم نحو السداد والرشاد،
عَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :

اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ ائْذَنُوا لَهُ بِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ أَوْ ابْنُ الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْكَلَامَ فَلَمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ رَأَيْتَ الرَّجُلَ قُلْتَ لَهُ كَذَا وَكَذَا ثُمَّ تَطَلَّقْتَ فِي وَجْهِهِ وَانْبَسَطْتَ إِلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَائِشَةُ مَتَى عَهِدْتِنِي فَحَّاشًا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ

[من صحيح البخاري]

أي إذا داريتَ إنسانًا تكون عاقلاً، لكنه هو شر الناس، (وما قال الرسول ذلك عن الرجل إلا ليعلمنا ماذا نفعل مع من نعلم أنهم شرار الناس)
((إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ))،
شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره، وخيرُ الناس المؤمن الودود، أما هذا الذي يُتقَّى مخافة شره، فهو إنسان شرير، بل هو شرُّ الناس، شيء جميل، لما رآه النبي الكريم قال : بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلما دخل تَطَلَّقَ وجهه، وألان له الكلام وانبسط له، السيدة عائشة عجبت ما هذا ؟ فكأنَّ النبيّ ذو وجهين، قالت له : يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت : كذا وكذا، ثم انطلقت في وجهه، وانبسطت إليه فقال عليه الصلاة والسلام : يا عائشة متى عهدتِني فحاشاً، إن شرَّ الناس منزلةً عند الله يوم القيامة مَن تركه الناس اتقاء شره، وفي روايةٍ : “اتقاء فحشه”، إذا كان كلامُ الشخصِ بذيئًا، ويتكلم في العورات، ثمَّ داريتَه فأنت حكيم، أما لو استفززته فإنه يتكلم بالفحشاء على الفور .
فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يقابل هذا الأحمق بغلظةٍ وفحشٍ، بل ألان له القول، وسلك معه مسلك المداراة .
إخواننا الكرام، يقول العلماء : هذا الحديث أصلٌ في المداراة، وفرَّق العلماء بين المداراة المطلوبة وبين المداهنة المذمومة، المداراة بذل الدنيا لصلاح أمر الدنيا والآخرة، وأما المداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا . فنحن مِن الممكن أن نداريَ، ولكن لا يمكن أن نداهن،
قال تعالى :

(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9))

[سورة القلم]

فأنتَ مثلاً لم تصلِّ لكي لا يعرف الناس أنك تصلي، هذه اسمها مداهنة، قد ضيعت دينك من أجل مكسب دنيوي، جلست في مطعم ووُضِع الخمرُ على المائدة، وأنت لم تعترض من أجل الحفاظ على مكسب دنيوي هذه مداهنه
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول :

بعثت بمداراة الناس

[من المأثور : عن جابر بن عبد الله]

لو قال : بعثت لمداراة الناس، لصار الهدف المداراة، أما بعثت بمداراة الناس، الباء للاستعانة، أي إنك تستعين على هدايتهم بمداراتهم، فنحن مطلوب منا أن نداري الناس، ونعينهم، نصغي لهم، نقدِّم لهم هدية، نخدمهم، هذا مطلوب ؛ أما أنْ نضحي بديننا، نضحي بصلواتنا، نضحي باستقامتنا إرضاءً لهم، فهذه مداهنة.
وقال عليه الصلاة والسلام:

إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض

[من المأثور : عن السيدة عائشة]

أي إن كنتَ مسلمًا متمسكًا بدينك فلا تكن فظًّا، ولا تكن قطعة معدنية حادة الأطراف، كن ليِّنًا، فمِن يومين سألني أخ سؤالاً : هل مِن السنة أن يُحلق شعرُ المولود ؟ فاختلف مع زوجته، هي تشبثت ألاَّ يحلق شعره، فتدخل الأب، وكبر الأمر، وكاد الأمر يفضي إلى فراق، تساهل قليلاً، فالقضية ثانوية، تساهل فيها، جاء العمُّ، وقصَّ بضع شعرات، وقال له : لقد حلقنا الشعر، لكنه يريد بالموسى، فالإنسان يكون ليِّنًا، ولا سيما بالأمور الثانوية، فنحن عندنا أساسيات، في الأساسيات لا تلِن، أما في الثانويات فكن متساهلاً، إذا كان من ورائها مشكلة كبيرة .
فالمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، وهي مذمومة، وقد نزّه اللهُ تعالى نبيَّه عنها،
فقال :

(وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9))

[سورة القلم]

فكان النبي عليه الصلاة والسلام يداري، ولا يداهن .
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال :

كان عليه الصلاة والسلام يقبل بوجهه على شر القوم يتألَّفهم بذلك

9.سعةُ علومه

ومن أعظم الأدلة على كمال عقله الشريف صلى الله عليه وسلم سعةُ علومه، فقد أفاض اللهُ عليه العلوم العظمى، والمعارف الكبرى، وأراه الآيات، وأيَّده بالبينات، وصَدَّقه بالمعجزات، وجمع له جميع أنواع الوحي الإلهي، وذلك لا يقوم به، ولا يقدر على تحمُّله إلا من خصَّه الله تعالى بأعظم قلبٍ، وأوسع عقلٍ .
أي إنه صلى الله عليه وسلمه سيد العلماء، تجد إنسانًا يأخذ ثلاثين حديثًا يشرحها، ويستنبط منها بعض الأحكام، ويحضِّر رسالة دكتوراه، ثم صار اسمه : الدكتور فلان، فماذا فعل ؟ فَهِمَ ثلاثين حديثًا، وتعمق فيها .
وقد قيل فيه:

يا أيها الأميُّ حسبُك رتبةً***في العلم أن دانتْ لك العلماءُ

في العلم هو سيِّد العلماء،
والله عزَّ وجل يقول :

(عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى)

[سورة النجم : 5]

فإذا افتخر الإنسان بمعلميه، فالنبي يفتخر أن الذي علمه هو الله عزَّ وجل، وهذه نقطة دقيقة متعلقة بأميته صلى الله عليه وسلم، فأمِّيتُه في حقه كمال، فهو أمِّيٌّ، أي لا يقرأ ولا يكتب، فالأمِّيةُ في حقه كمال، وفي حقنا نقص، في حقه كمال لأن الله سبحانه وتعالى أراد أن يجعل كلامه من الوحي خالصاً دون امتزاج بالثقافات الأرضية، فلو كان مثقفًا ثقافة عالية، وجاءه الوحي وتكلم، لكان كلما قال حديثًا يُسأل : هذا من عندك أم من الوحي ؟ هذا من ثقافتك أم من الوحي ؟
قال الله عز وجل :

(وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (4))

[سورة النجم]

حتى الحديث الشريف فإنّه وحي، لكنه غير متلو، علماء الأصول فرَّقوا بين الوحي المتلو وبين الوحي غير المتلو، فالمتلو هو القرآن، وغير المتلو هو الحديث الشريف .

حقائق لابد أن نتذكرها

1.العقل موضع التكليف

أيها الإخوة الكرام ؛ اعلَمْ أنّ موضع التكاليف الشرعية هو العقل، فإذا أخذ ما أوهب أسقط ما أوجب، لهذه المقولة استدلال خطير، التكاليف الشرعية منوطة بالعقل، فإذا أخذ الله العقل أسقط التكاليف، فما معنى ذلك ؟ معنى ذلك أن التكاليف معقولة، ولو لم تكن معقولة لما أنيطت بالعقل، فقد أناطها الله بالعقل، فمن فَقَدَ عقله فقَدْ أُعْفِيَ من التكاليف، إذاً التكاليف معقولة، لذلك قامت حرب بين العقل والكنيسة في العصور الحديثة، ونحن بريئون من هذه المعركة، ديننا متطابق مع العقل تطابقًا تامًّا، أما في بعض الديانات المنحرفة فهناك مفارقة حادّة بين العقل وبين هذه الديانة، فالمثقف رفض هذا الدين لأنه مناقض للعقل.

2.ليس في الإسلام ما يتناقض مع العقل

لو أن النبي عليه الصلاة والسلام جاء بأشياء غير معقولة، والكفار كانوا ينتظرون منه غلطة واحدة، ولَمَا سكتوا، وتكلموا، ورفعوا أصواتهم، ونقدوا النبي، وفنّدوا أقواله، وشهّروا به، فلو أن الدعوة الإسلامية فيها خلل صغير، ولو كان الذي جاء به النبي الكريم مناقضًا للعقول، لكان الكفار في زمنه أولَ من ردّوا عليه ذلك، ولكانوا في غاية الحرص على رد ما جاء به النبي، إن جميع العقلاء والحكماء في زمنه شهدوا بأحقية ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم .
وسيدنا جعفر رضي الله عنه لما دخل على النجاشي وقال له :

إنا كنا قوماً أهل جاهلية ؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان

[أحمد]

قال النجاشي بعد ذلك :

مرحباً بكم وبمن جئتم من عنده، أشهد أنه رسول الله، وأنه النبيّ الذي نجده في الإنجيل، وأنه الرسول الذي بشر به عيسى، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيت هذا النبي حتى أكون أنا الذي أحمل نعليه

[أحمد]

أكثم بن صيفي من وجهاء الجاهلية، لما بلغته بعثةُ النبي أرسل وفدًا من رجلين من قومه لمقابلةِ النبي عليه الصلاة والسلام، وذلك فأتيا النبي فقالا له: ” نحن رسل أكثم بن صيفي، وهو يسألك من أنت ؟ وما أنت ؟ وبم جئت ؟ فقال عليه الصلاة والسلام :

أما من أنا ؟ فأنا محمد بن عبد الله، وأما ما أنا ؟ فأنا عبد الله ورسوله، جئتكم بقوله تعالى :

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90))

[سورة النحل]

فقالا : ” ردد علينا هذا القول ” . فردده عليهم حتى حفظاه، فأتينا أكثم فقالا له : ” أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب، وسطاً في مُضَر، وقد رمى إلينا بكلمات قد حفظناها “، فلما سمعهن أكثم قال : ” إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها فكونوا في هذا الأمر رؤوساً ولا تكونوا فيه أذناباً ” .

3.أروع شيء في الإسلام على الإطلاق أنه يتطابق مع العقل

أيها الإخوة الأكارم ؛ أروع شيء في الإسلام على الإطلاق أنه دين يتطابق مع العقل مئةً في المئة، والمنقول يتفق مع المعقول، وفي هذا راحةٌ نفسية لا تعدلها راحة، والإنسان كلما نما عقله كلما ازدادت طاعته لله، ((أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً)) .

والحمد الله رب العالمين

منقول عن: السيرة – شمائل الرسول 1995 – الدرس (04-32) : أرجحية عقله الشريف على سائر العقول لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1994-10-24 | المصدر
مترجم إلى: اللغة الإنجليزية

تحميل ملف PDF من الدرس تحميل ملف Word من الدرس