علي بن أبي طالب4: قبسات من حكمه ومواعظه الجامعة
رجل تتناثر الحكم من فمه. لنقف معاً على بعضٍ منها...
بحث
رجل تتناثر الحكم من فمه. لنقف معاً على بعضٍ منها...
أيها المؤمن حينما تعرفت إلى الله، وعاهدته على الطاعة، وأخلصت له، سلوكك واستقامتك مع وجود من يعلِّمك، أو مِن دون وجوده، مع وجود أخوانك المؤمنين أو في غيبتهم، مع وجودك في بلدك، أو كنت مسافرًا فأنت أنت، فإذا كنت رجل مبدأ لا يتغير سلوكك، هذا هو الإخلاص في عدم التغيّر، وفي التثبُّت على المبدأ. ولنا في سيدنا علي المثل الذي يُحتذى.
قال أحد محللي سيرة سيدنا علي: لو شاء هذا الإمام الجليل لكان داهيةً لا يشقُّ له غبار، فحدة ذكائه واتقاد بصيرته يعطيانه من الدهاء ما يريد، ولكن تخلَّى عن كل مواهب الرجل الداهية، وأحل مكانها مواهب الرجل الورع . تُرى لما ذلك؟
هل الفطرة تتوافق مع هذا الدين الحنيف؟ ما موقف الأب عندما يكون ابنه على نقيضه في المعتقد في هذا العصر وكيف كان موقفه عندما كانت فطرته سليمه؟
في معظم بلاد العالم الإنسان إذا بلغ الستين يحال إلى التقاعد، سيدنا عثمان تسلَّم هذا المنصب، وهو في السبعين، فالمؤمن لا يشيخ أبداً، المؤمن شاب دائماً، يضعف بصره، ويشيب شعره، وينحنى ظهره، وتضعف قوته، وتظهر عليه أعراض الشيخوخة، لكنه لا يشيخ، وتبقى نفسه شابةً، لأن هدفه كبير . إنسان في السبعين له عزم الشباب، وهمة الشباب، وتألُّق الشباب، وتوقُّد عزيمة الشباب .
خيرية الإنسان لا تبدو إلا في بيته، أما خيريته خارج بيته فلعلها حِرصٌ على سمعتهو مكانته، ولعلها سلوكٌ مدنيٌ ذكي، لكن الإنسان حينما يتحرر من القيود والمراقبة والنقد والمسؤولية، فهنا تظهر حقيقته ولا يكون ذلك إلا في بيته وفي معاملته لزوجته وقد كان هذا الصحابي النموذج في حسن المعاملة مع زوجته ورحمته لها...
بعد ألف سنة أو أكثر كتبت حقوق الإنسان، ومن هذه الحقوق حق العمل . ولكن سيدنا عمر قال مخاطباً أحد ولاته: يا هذا إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسُدَّ جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية .
كان سيدنا عمر سريع الإدراك، حاد الخاطر، فالموفَّقون في الحياة، المتفوقون العقلاء الأفذاذ هم الذين يعدّون للأشياء أقرانها، للملمات ما يكافئها، للمستقبل ما يغطيه. وقد قال أحد الصحابه عنه بأنه أعلمنا بكتاب الله، وأفقهنا في دين الله، فمع أنه كان الحاكم لأكبر دوله إلا أنه كان علم فقيه فنحن في الإسلام ليس عندنا طبقة رجال دين، نحن عندنا مسلم.
هذا الحاكم يرى أن الحق فوق الجميع كما يُقال اليوم القانون فوق الجميع فقد قال: كلمة الحق، لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها
متى ظهرت حقوق الإنسان؟ في أعقاب الثورة الفرنسية، كانت أوروبا في غياب الجهل والظلم، وقبل ألف وخمسمئة عام، يقول هذا الخليفة العظيم: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً.
تتحلى هذه الشخصية الفذة بصفة نادرة، الإنسان دائماً في الأعم الأغلب، إذا تفوق يصيبه الغرور، الغرور من لوازم المتفوقين، فإنسان لا يستطيع الغرور أن يتسلل إليه، وهو في قمة المجتمع فهذه شخصية فذة! وكان كثيراً ما يردد: كنت وضيعاً فرفعك الله، كنت ضالاً فهداك الله، كنت ذليلاً فأعزَّك الله، فماذا تقول لربك غداً؟
لقد قِيل عنه: في الجاهلية كانت حربه للإسلام تكاد وحدها تعدل أذى قريش جميعها، وفي الإسلام صارت حربه للوثنية تكاد تعدل مقاومة الإسلام بأسره ولكن ما سر نقلته من الكفر إلى الإيمان؟